وأبدأ الحديث عن القسم الأول والذي سأضرب من خلاله نماذج قدمت الكثير في خدمة هذا الجيش المبارك وكانت بمثابة الوقود الذي سارت وتقدمت من خلاله القافلة، لقد كان الوقود الذي دفع قافلة التوحيد إلى الأمام، لأنهم هم الذين سبقونا بالإيمان وبالتوحيد وبالجهاد وبالبذل وبالعطاء، فأكتب اللهم لنا ولهم الأجر والثواب قال تعإلى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} الحشر:10.
إن الحديث عن قصص السابقين وتجارب الموحدين الذين سبقونا على درب التوحيد والجهاد لهو حديث مهم، خاصة لأن القرآن الكريم استخدم الأسلوب القصصي حيث جاء في القرآن عشرات الأمثلة التي حدثت مع الأمم السابقة ومع الأنبياء السابقين، وكيف تمت مواجهة دعوة الرسل والأنبياء، وكيف ثبت هؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما قال تعإلى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} يوسف:3، نعم إنها أحسن القصص التي حدثت مع أحسن الناس من خلال مسيرة الدعوة الطويلة والتي استمرت لآلاف السنين وهي تقدم النماذج الرائعة والأمثلة الساطعة والأساليب القوية التي تشحن همم اللاّحقين وتقوي عزائم العاملين، وإن قصص السابقين في القرآن لم تُذكر والعياذ بالله للتسلية ولم تُذكر لمجرد سرد الأحداث التاريخية، لأن القرآن الكريم ليس كتابًا للتسلية وليس كتاب تاريخ، وإنما هو دستور لهذه الأمة ولكل البشر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وإن القرآن الكريم عندما ذكر قصص السابقين من الأنبياء والرسل إنما ذكرها لتسلية النبي - صلى الله عليه وسلم - ولتصبيره، ولبيان أن ما يلاقيه - عليه السلام - من قومه لاقاه الأنبياء من قبله، ولذلك قال تعإلى: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} هود:120، يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية:"يقول تعإلى وكل أخبار نقصها عليك من أنباء الرسل المتقدمين من قبلك مع أممهم وكيف جرى لهم من المحاجّات والخصومات وما احتمله الأنبياء من التكذيب والأذى وكيف نصر الله حزبه المؤمنين وخذل أعداءه الكافرين وكل هذا مما نثبت به فؤادك أي قلبك يا محمد، ليكون لك بمن مضى من إخوانك من المرسلين أسوة وقوله: {وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ} أي في هذه السورة قاله ابن عباس ومجاهد وجماعة من السلف وعن الحسن في رواية عنه وقتادة، في هذه الدنيا والصحيح في هذه السورة المشتملة على قصص الأنبياء وكيف أنجاهم الله والمؤمنين بهم وأهلك الكافرين، جاءك فيها قصص حق ونبأ صدق وموعظة يرتدع بها الكافرون وذكرى يتذكر بها المؤمنون،"أي أن الهدف من ذكر تلك القصص هو إثبات أن العداء الذي سيلاقيه النبي - عليه السلام - في دعوته لقومه ليس عداءً جديدًا وليس حالة استثنائية عن الرسل السابقين، صحيح أن العداء لدعوة النبي - عليه السلام - قد يكون أكثر من العداء الذي مورس ضد دعوة الأنبياء السابقين عليهم السلام، ولكن أصل العداء لم ينقطع وهو متواصل ومستمر حتى بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بقي هذا العداء لكي ينتقل من جيل إلى جيل كما قال ورقة بن