نوفل للنبي - عليه السلام - في بداية نزول الوحي:"لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي" [1] ، وهذا كلام صحيح وهذه سنة كونية وهي العداء المتأصل بين الحق والباطل، إذ لا يمكن أن يسكت أهل الباطل عن أهل الحق وإن حاولوا التظاهر بمظهر الإنسانية وأنهم ليسوا ضد أحد، لأن أهل الباطل بصراحة يعلمون علم اليقين أن ظهور الحق وقوة أهل الحق تُهدد باطلهم ومنهجهم، فإذا قوي الحق ضعف الباطل، وإذا ارتفع صوت الحق انخفض صوت الباطل، وإذا غلبت راية الحق خسرت راية الباطل، قال تعإلى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ} يونس:32. نعم ماذا بعد الحق إلا الضلال وماذا بعد التوحيد إلا الشرك وماذا بعد الإيمان إلا الكفر وماذا بعد العلم إلا الجهل وماذا بعد الإخلاص إلا الرياء وماذا بعد الصدق إلا الكذب وماذا بعد الجهاد إلا الاستسلام وماذا بعد حكم الله إلا حكم الطاغوت وماذا بعد العزة إلا الذل وماذا بعد الكرامة إلا الهوان، وماذا وماذا وماذا؟ هل سيقبل أهل الباطل بظهور الحق؟ هل ستقبل دولة الباطل أو دُول الباطل بقيام دولة الحق؟ هل سيقبل إبليس بقوة آدم؟ هل سيقبل فرعون بظهور موسى - عليه السلام -؟ هل سيقبل أبو جهل بدعوة محمد - صلى الله عليه وسلم -؟ هل سيقبل بوش بدولة يقودها الشيخ أسامة بن لادن؟ لذلك ركزّ القرآن الكريم على ذكر قصص السابقين لزيادة تثبيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعوته، لأن الحديث عن تضحيات السابقين وثباتهم وتحملهم ودفعهم للأثمان الكبيرة هو بمثابة دروس عملية لمن جاء بعدهم ولمن سار على دربهم، وأن العداء الذي واجهه الأنبياء منذ أول نبي إلى آخر نبي عليهم السلام سيستمر مع كل دعوة تسير على نهج الأنبياء، ولذلك لا غرابة اليوم عندما نرى أهل الباطل يتجمعون في تحالفات وحملات من أجل محاربة الفئة المؤمنة السائرة على منهج الحق، ها هي الفئة الباغية تطارد أهل الحق في كل مكان، والواقع المعاش من أكبر الأدلة على صحة هذا المبدأ، هذا المبدأ الذي يقوم على أن أهل الباطل لم ينتظروا أن تقوم للحق قائمة بل سارعوا لمهاجمة ومطاردة أهل الحق فيما يسمى اليوم (بالحرب الاستباقية) التي يشنها معظم العالم على جيش التوحيد في هذا الزمان، حيث تجيشت جيوش الأرض الظالمة لكي تناصر الشيطان ولكي يكونوا جندًا من جند إبليس ولكي يقفوا صفًا واحدًا في وجه جيش الحق الذي يحمل راية الحق ويسعى لإقامة دولة الحق، وإن جيش التوحيد اليوم لم يبدأ الحرب بل إن الحرب بدأت منذ أن بدأ التوحيد في هذه الأرض وصار لهذا التوحيد جنود، بدأ إبليس يجيش للمعركة، بدأ يجهز الأبالسة من الإنس والجن، فالجن يُزينون ويوسوسون ويأمرون الناس بالباطل والإنس يقاتلون ويحاربون ويقفون سدًّا للصد عن دين الله، إنها المعركة التاريخية المتأصلة والمتجذرة بين التوحيد وبين الشرك بين الموحدين وبين المشركين، هذه الحرب التي لم تتوقف يومًا وإن لم تظهر للعيان هي مستمرة سرًا وعلنًا ليلًا ونهارًا قولًا وعملًا، وإن من الإنصاف والعدل أن نتحدث عن السابقين الذي بذلوا وقدّموا وأوصلوا لنا هذا المنهج المبارك الذي يحمله جيش التوحيد اليوم، ألا يستحق من بذل وقدّم وتقدم علينا أن نذكره بما يستحق؟ وقد قالها عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه:"من كان مستنًا فليستن بمن قد مات، فإن الحيّ لا تؤمن عليه الفتنة"، أولئك أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا أفضل هذه الأمة، أبرّها
(1) رواه البخاري.