تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا نوح:21 - 23، هذه أسماء أصحاب القبور التي عبدت مع أنهم أناس صالحون إلا أن الشيطان سوّل لذريتهم بأن يعبدوا تلك القبور، فبدأ بذلك التوحيد يُخدش، لقد عُبدت من دون الله آلهة، لقد بدأت المعركة، لقد نهج الشيطان في إقناع الناس بعبادة غير الله، أين جنود التوحيد؟ أين المدافعون عن عقيدة لا إله إلا الله؟ لقد وقع المحظور لقد وقعت وحلّت المصيبة لقد أعتدي على أقدس المقدسات لقد مسّت أعظم الواجبات، لقد عبث العابثون واعتدى المعتدون ولم يبق أمامنا غير المواجهة، لم يبق أمامنا غير التحدي لن تنتصر يا إبليس اللعين لن تهزم جيش الموحدين، غرّك أنك أغويت بعض الجاهلين؟ غرّك أنك زينت للناس عبادة غير رب العالمين؟ لن تفلح يا قائد المشركين، لن تنجح يا زعيم العصاة والملحدين، بل ستكون من النادمين، يوم لن تنفعك شفاعة الشافعين.
حرب يعلنها جند الشيطان فأين جنود الرحمن؟ حرب يقودها إبليس اللعين فأين الموحدين؟ حرب يجتمع فيها شياطين الإنس والجن فأين أتباع هذا الدين؟ التوحيد ينادي على الموحدين، التوحيد يبحث عن الموحدين، التوحيد يطلب الغوث لصد جنود المشركين ولردع هؤلاء المفسدين ولإيقاف طغيان المفترين، يكلف الله سبحانه وتعإلى نوحًا - عليه السلام - لكي يبدأ تلك المسيرة ولكي يقود تلك المعركة، يبدأ بدعوة قومه إلى توحيد الله وترك ما هم عليه من الشرك فلم يستجيبوا له، دعوة مستمرة وعمل متواصل ومثابرة طويلة الأمد تستغرق الليل والنهار تكون في السر والعلن في كل الأحوال وفي جميع الظروف، وتستمر لمئات السنوات حيث تجاوزت التسعمائة عام {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا - فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَارًا - وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا - ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا - ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا} نوح:5 - 9، كُلّف - عليه السلام - بالمهمة فبدأ العمل وبذل الجهد ووصل الليل بالنهار وجنّد نفسه للدفاع عن التوحيد، قائد الموحدين يبحث عن جنود ينادي في الناس، عودوا إلى عبادة ربكم عودوا إلى توحيدكم أتركوا عبادة القبور ولا تكونوا جنودًا للشيطان بل كونوا جنودًا في جيش الرحمن، فهل رأى العالم مثابرة كتلك المثابرة؟ هل سمع العالم بصبر كذلك الصبر الذي صبره نوح - عليه السلام - في دعوة قومه؟ إنها جندية التوحيد، بمجرد أن يتجند الموحد في هذا الجيش حتى يصبح نموذجًا في البذل والعطاء، تراه يخدم جيشه ودعوته بكل ما يستطيع ولا يتأخر عن أي مهمة بل تراه يتقدم الصفوف سواء أكانت المعركة دعوية كما هو الحال مع نوح - عليه السلام - أو كانت جهادية كما هو الحال مع غيره من الذين قاتلو أعداء التوحيد فإن الجندي الموحد لا يكل ولا يمل ويعمل بكل قوة ونشاط لأن تجنيده في الدعوة يختلف عن غيره من أنواع التجنيد التي يعرفها العالم، هو جندي من نوع خاص نادر في هذا الكون لذلك ترى خدمته وبذله وعطاءه على أعلى مستويات، لا يعرف الاستقالة ولا يعرف التراجع أو الانسحاب من المعركة، لأن الانسحاب لا يعني خسارة المعركة بل يعني خسارة الدين، هو لا يعرف إلا لغة الصمود والتحدي والثبات والتقدم إلى الأمام، ها هو النموذج الأول ها هو القائد الأول يعلمنا كيف يكون التجنيد، يقول لنا: ها أنا ذا أقاتل وحدي في الميدان