أدافع عن التوحيد بكل قوة، لا يمكن أن أترك المعركة هذه معركتي الفاصلة إما الحياة مع التوحيد وبالتوحيد وللتوحيد وإما الموت دون ذلك، ومع كل ما بذله من جهد ومن وقت طويل إلا أن النتائج على الأرض لم تكن كبيرة، لم يستطع أن يجنّد أعدادًا كبيرة كما قال تعإلى: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} هود:40، قيل إن الذين اتبعوه لم يتجاوز عددهم العشرات وفي بعض الروايات أنهم كأصابع اليد مرتين أو ثلاث مرات تقريبًا، مهما تكن النتائج قليلة فإن المهمة عظيمة وأن التحديات كبيرة والتضحيات جسيمة، مئات السنوات من البذل والدعوة والصبر وعمل الأذى، أي تجنيد هذا الذي تستمر الخدمة فيه كل تلك الفترة؟ أي قدرة على التحمل التي تزرعها العقيدة في نفوس أتباعها؟ أي عطاء هذا الذي لا ينقطع ولا يتوقف بل يمضي قدمًا للأمام؟ إنه تجنيد العقيدة والتوحيد الذي يستمر ما استمرت الحياة ويمشي مع الدم لكي يصل إلى كل الأعضاء، ويتحرك مع النفس ومع دقات القلب التي لا تتوقف حتى تنتهي الحياة الدنيا، موحد واحد يحارب جنود إبليس يقف في وجه أهل الشرك، يعلن التوحيد فيه لله ويقاوم حتى النهاية، إن التوحيد لا يصنع جنودًا يتراجعون عند أول عقبة أو يرتدون على أدبارهم مع أول مصيبة أو عند أول نكبة، هو تكليف رباني لا يمكن التراجع عنه أو التقصير في أدائه مهما كانت الظروف ومهما طال الزمن وكثرت العقبات، المهم أن يقوم الجندي بدوره على أكمل وجه سواء أكان تجنيده في الدعوة أو في ساحات الجهاد أو في جمع الأموال أو في تربية وتعبئة الأجيال فإنه يقوم بالمهمات التي كلّف بها بغض النظر عن النتائج، فهو يعمل بجدّ ونشاط ويترك النتائج على الله تعإلى، وهكذا فعل الإمام الأول والقائد الأول والمؤسس الأول الذي حمل لواء التوحيد في معركة الحق والباطل المتواصلة إلى يومنا هذا والتي ستستمر إلى أن يرث الله تعإلى الأرض ومن عليها، فليست العبرة بكثرة الأتباع ولا بكثرة الانتصارات المحققة على الأرض ولا بكثرة الأموال والمكاسب التي تم جمعها، وإنما العبرة بالتمسك بالمنهج وبالمحافظة على الخط السليم والمنهج القويم فهذا هو النصر الحقيقي، لأننا مهما حققنا على الأرض من انتصارات فإنها زائلة بزوال هذه الحياة، وما سيبقى هو العمل الصالح وما أدّخر العبد للدار الآخرة قال تعإلى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} القصص:83، هذا هو الانتصار الذي يبحث عنه الجندي الموحد، إنه يريد الدار الآخرة حتى لو تنكرت له الدنيا فإنه يستمر في العطاء لأنه يريد الوصول إلى بر الأمان.
وهذا لا يعني أن لا يسعى المؤمن لتحقيق الانتصارات على الأرض بحجة الزهد في الدنيا فيحكم الأمة غير الموحدين، بل عليه أن يسعى لذلك بكل قوة فإذا تحقق النصر فالحمد لله فيكون بإذن الله نصرًا في الدنيا وفوزًا بالجنة في الآخرة، اللهم انصرنا في الدنيا وارزقنا الفوز بالجنة في الآخرة ومكّن لدينك يا أرحم الراحمين.
ولقد بذل القائد الأول لجيش التوحيد كل ما يستطيع واستمر مع قلة النتائج وعدم تحقيق الأهداف التي سعى لتحقيقها، وهذا يدفعنا كجنود إلى العمل الدائم والمتواصل وإلى تقوية الهمم والعزائم وإلى رفع مستويات التضحية والفداء لدينا لأننا اليوم نحمل الأمانة التي بدأها نوح عليه الصلاة والسلام الذي تنكر له قومه