فهرس الكتاب

الصفحة 312 من 604

من قوتنا، بل من النار التي تنتظركم والتي تزيد قوتها عن نار الدنيا بأضعاف كثيرة، نحن لا نخاف لأننا على الحق ولأننا نؤمن بالله ومن كان مع الله فمن أي شيء يخاف؟ وهل هناك من شيء يمكنه إضافته؟ من كان مع الله ومع جنود التوحيد هو مطمئن حتى لو كان ضعيفًا أو وحيدًا أو مطاردًا أو مطلوبًا لأنه مع الله قال تعإلى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} الأنعام:82، نعم أولئك لهم الأمن يوم الفزع الأكبر، إنه أمن التوحيد وأمان الإيمان، نحن في أمن وأمان بإيماننا وبتوحيدنا وبوجودنا في جيش التوحيد، أما أنتم يا جنود إبليس فإنكم في خوف ورعب في الدنيا والآخرة، أي الفريقين أحق بالأمن؟ فريق الموحدين أم فريق المشركين؟ قال تعإلى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} الأنعام:83، إنه الله تعإلى يرفع عباده وينصر جنده ويؤيد من يدافع عن دينه، إبراهيم - عليه السلام - كان أمة وإمامًا وقدوة لم يستسلم بالرغم من عداوة قومه وأهله والأرض جميعًا له، فإذا كان الرد من أبيه بهذه اللغة فكيف بالبعيد إذًا، {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} مريم:46، تهديد ووعيد وملاحقة ومطاردة، أب يهدد ابنه كل هذا التهديد لأنه موحد فكيف سيهدده الغرباء إذا وماذا سيفعلون به؟.

لقد وصلت العلاقة إلى طريق مسدود {قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا - وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا} مريم:48، أنظر أخي إلى رد إبراهيم - عليه السلام - على تهديد أبيه، إنه رد الداعية الصابر الذي يدرك حقيقة الدعوة ويستخدم الكلمات التي تدل على أخلاق الدعاة {سَلامٌ عَلَيْكَ} هذا في مقابل التهديد والوعيد فكيف لو كان الرد عليه بكلام طيب كيف سيكون كلامه إذًا؟ هذه صفات الداعية المتميز الذي يدرك أن الدعوة تُبنى أساسًا على الأسلوب وعلى القدرة على التعامل مع الناس فكم من الدعاة اليوم يحتاجون لأن يقتدوا بإبراهيم - عليه السلام - في دعوته لأبيه وقومه؟ بعض الدعاة يقع في أخطاء جسيمة لأنهم لا يعرفون حقيقة الدعوة وطبائع البشر والله تعإلى قال عن النبي - صلى الله عليه وسلم: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} آل عمران:159، إن هناك فقهًا خاصًا يسمى فقه التعامل مع الناس، وهذه مدرسة لا يُتقنها إلا من شرح الله صدره ونوّر بصيرته، أسأل الله تعإلى أن يجعلنا من الدعاة المخلصين العاملين الموفقين في دعوتهم العارفين بأحوال الناس وما يلزمهم بهذه الصفات العظيمة وبتلك الأخلاق العالية وبهذا الدعاء المتواصل {قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} البقرة:124، {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} إبراهيم:35، وبغيرها من الدعوات رزق الله سبحانه وتعإلى إبراهيم - عليه السلام - ذرية طيبة كان منها إسماعيل - عليه السلام - الذي كان من أبر الناس بأبيه فعندما رأى إبراهيم - عليه السلام - في المنام أنه يذبحه كيف كانت ردة فعله؟ وكيف كان تعاطيه مع الموضوع؟ لقد سلّم واستسلم وقال بلغة رائعة وببرٍّ عظيم قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت