فهرس الكتاب
الصَّابِرِينَ الصافات:102، استسلام لأمر الله ثم وصف لنفسه بأنه سيكون من الصابرين بإذن الله تعإلى هو لم ينسب الصبر لنفسه ولا لقوته ولا لقدرته على تحمل الذبح وإنما سأكون بإذن الله من الصابرين، هذا الأب الموحد البار بأبيه وأبوه على شركه يستحق أن يكون ابنه كذلك، يستحق ابنًا بارًا كما كان بارًا بأبيه وهو على غير التوحيد، وكما قيل: كما تدين تُدان وكما تكيل يكال لك أو عليك، من أراد ابنًا بارًا فعليه ببر والديه أولًا ولا يدرك حقيقة برّ الوالدين إلا من فقدهما، فالله الله في آبائكم وأمهاتكم يا أيها الجنود، كونوا لهم نِعم الأبناء، لأن التوحيد ينعكس دائمًا على سلوك وأخلاق الموحد وأي موحد هذا الذي لا يبر بوالديه؟ أتراه يعكس صورة التوحيد الحقيقية أم أنه يعكس نموذجًا بعيدًا عنا وعن توحيدنا؟ ألم يربط الله تعإلى بين توحيده وبرّ الوالدين {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} النساء:36، أعظم واجب في الإسلام هو توحيد الله يُذكر مع أعظم منكر وهو الشرك، بالإضافة إلى بر الوالدين والإحسان لهما، وكأن الآية تريد إرشادنا إلى أن الأمر العظيم يُذكر مع الأمور العظيمة.
إسماعيل - عليه السلام - هذا الابن البار يستجيب لأمر الله ويطيع أباه ويعلن السمع والطاعة ويقدم رقبته للذبح ولكن الله يُنجيه بذبح عظيم كما قال تعإلى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} الصافات:107، ثم لنعود إلى إمامنا إبراهيم - عليه السلام - الذي أذعن واستسلم وأراد ذبح ابنه. لم يتردد ولم يفكر ولم يناقش ولم يجادل ولم يتأخر، هو في الحقيقة أمة ومدرسة وقدوة وإمام، لذلك كان سريع الاستجابة لأمر الله تعإلى حتى إذا كان هذا الأمر هو أن يذبح ولده، أب يذبح ابنه طاعة لله ألا يستحق أن يكون أمة وإمامًا؟ يقدم نفسه وعمره وولده ويتحدى الأرض ويواجه العالم ثم لا يكون أمة، هذا لا يكون فالله تعإلى أكرم الأكرمين قال تعإلى: {هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ} الرحمن:60، وبالطبع فإن المقام هنا لا يتسع ولا يستوعب الخوض في مسألة من هو الذبيح هل هو إسحاق أم إسماعيل؟ ولكني أكتفي بذكر ما رجحه ابن كثير رحمه الله في تفسيره دون الخوض في التفاصيل حيث قال:"الصحيح والمقطوع به أن الذبيح هو إسماعيل عليه الصلاة والسلام" [1] ، والله تعإلى أعلى وأعلم، إبراهيم - عليه السلام - يُطرد من قبل والده ويؤمر بذبح ولده فتراه في كلا الموضعين يضرب أروع الأمثلة في التمسك بالعقيدة وفي الثبات على التوحيد وفي طاعة الأوامر الربّانية، نعم لقد كان إبراهيم - عليه السلام - أمة.
أما إذا تحدثت عن المعنى الثاني لكلمة أمة أي إمامًا ومعلمًا للخير فهو كذلك، أليس هو أمامنا في التوحيد؟ أليس هو أحد قادتنا العظام الذين حملوا راية التوحيد ودافعوا عنها؟ لقد كان إمامًا بشهادة القرآن قال تعإلى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} البقرة:124، ولذلك فهو أمة وإمام عليه الصلاة والسلام، نحن اليوم مطالبون بالإقتداء بمنهج إبراهيم - عليه السلام - لأن الله تعإلى يقول: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا
(1) تفسير ابن كثير ج 4 - ص 1586.