الأولين والآخرين في صعيد واحد،" [1] ، وهو حديث طويل والشاهد فيه ما ذكرت، ومن ذلك ما رواه الترمذي أنه - صلى الله عليه وسلم - قام على المنبر فقال:"من أنا؟ فقالوا أنت رسول الله عليك السلام، فقال: أنا محمد بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة ثم جعلهم بيوتًا فجعلني في خيرهم بيتًا وخيرهم نفسًا"فهو عليه الصلاة والسلام سيد الناس وخير الخلق لذلك تسلم - عليه السلام - قيادة جيش التوحيد ولكي يختم بذلك قيادة الأنبياء عليهم السلام لجيش التوحيد، وأنا هنا لا أكتب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كزعيم أو كرئيس أو كقائد فحسب لأن الزعماء في هذا العالم بعشرات الآلاف لهم طموحات من العلوم ومقاصد من الرئاسة ومآرب من الدنيا، أما هو - عليه السلام - فهو مبعوث من الله تعإلى لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، فهو الرجل لكن النبي، وهو الإنسان لكن الرسول، وهو العبد ولكن المعصوم، وهو البشر لكن الموحى إليه، وهو الصالح المصلح، معه الكتاب والسنة والنور والهدى والعلم النافع والعمل الصالح، فهو لصلاح الدنيا والآخرة، ولسعادة الروح والجسد، وهو كذلك ليس عالمًا فحسب بل يُعلّم بإذن الله العلماء، يفقه الفقهاء ويُرشد الخطباء ويهدي الحكماء ويدل الناس إلى الصواب قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} الشورى:52، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - ليس ملكًا يريد بسط سلطانه بالقوة وينشر جنوده وأعوانه في كل مكان، بل هو إمام معصوم ونبي مرسل وبشير ونذير لكل ملك ومملوك، وحر وعبد، وغني وفقير، وأبيض وأسود، وعربي وعجمي، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} الأنبياء:107، قنبلة التوحيد تتفجر في مكة لكي تصل شظاياها إلى كل بقاع الأرض، ها هي الرحمات تنطلق من مكة لكي توزع على البشرية الغارقة في أوحال الشرك والظلم، فهو عليه الصلاة والسلام بُعث ليعبد الله وحده لا شريك له، بُعث ليوحد الله تعإلى في الأرض، بعث ليقال في الأرض لا إله إلا الله محمد رسول الله، بُعث ليحق الحق ويبطل الباطل بُعث بالعقيدة الصحيحة وبالتوحيد السليم، بُعث بالحجة والبيان وبالسيف والسنان، بعث بالحجة البيضاء والملّة الغراء والشريعة السمحاء، بُعث بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى بعث بالعدل والإحسان ومحاربة الظلم والظغيان، بعث بالخير والبر والمحبة والسعادة والصلاح والإصلاح، بعث بالأمن والإيمان، بعث بالطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بعث بمعالي الأمور ومكارم الأخلاق ومحاسن الطبائع ومجامع الفضيلة، بعث لدحض الشرك وسحق الأصنام وكسر الأوثان وطرد الجهل ومحاربة الظلم وإزهاق الباطل ونفي الرذيلة، فما من خير إلا دل عليه وما من شر إلا حذر منه، وأما خُلُقه عليه الصلاة والسلام فإن الله تعإلى هو الذي أدبه فأحسن تأديبه، فهو أحسن الناس خُلقًا وأسدّهم قولًا وأمثلهم طريقة وأصدقهم خبرًا وأعدلهم حكمًا وأطهرهم سريرة وأنقاهم سيرة وأفضلهم سجايا وأجودهم يدًا وأسمحهم خاطرًا وأصفاهم صدرًا وأتقاهم لربه وأخشاهم لمولاه وأعلمهم بالأمة وأوصلهم رحمًا وأزكاهم منبتًا وأشجعهم قلبًا وأثبتهم جنانًا وأمضاهم حجة وخيرهم نفسًا ونسبًا وخلقًا ودينًا، فهو حبيب الله تعإلى يحبه الناس من الذين صاحبوه فآمنوا به ومن الذين جاءوا من بعدهم، له مكانة"
(1) متفق عليه.