فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 604

الأحزاب: 72، أمانة عظيمة ومسؤولية جسيمة لم تستطع حملها السموات و الأرض، فحملها هذا الإنسان الضعيف المسكين، الذي يحتاج إلى من يحمله، يحمل على كاهله تلك الأمانة، ويحمل حملًا ناءت عن حمله الأكوان، ألا يحتاج حامل الأمانة إلى أدائها؟ أليس من العار أن لا يكون المرء أمينا على ما استؤمن عليه؟ كيف بنا ونحن جنود في جيش يحمل راية التوحيد، ويريد تعبيد العبيد لرب العبيد؟ نعم إخواني في الله إنها الأمانة الكبيرة التي تضع كل واحد منا أمام مسؤولياته، فهل نؤدي أم نخون؟

إن الناظر إلى أحوال الجنود في العالم، ليرى أنهم يتدربون على النشاط والإنضباط وسرعة تنفيذ الأوامر، حتى أنك إن أردت أن تمتدح إنسانا بسبب نشاطه والتزامه وقيامه بواجباته، فإنك تقول له: أنت في قيامك بأعمالك وفي نشاطك والتزامك كالجندي المحارب وهذا القول في حقيقته هو مدح لذلك الرجل، أي أن الجندية تجمع بين جنباتها وفي ثناياها معاني القوّة والإنضباط، والهمّة العالية والعزيمة الحديدية، كما قال ابن قيم الجوزية رحمه الله"كمال الإنسان بهمّة تُرَّقيه وعلمٍ يُبَصِّرَهُ ويهديه"وصدق والله فيما قال لأن المرء إذا فقد الهمة، لم يُنتج ولم يستطع التقدم، فمثلًا لو أن عالمًا حاملًا لكتاب الله تعالى، وهو حاصل على أعلى الشهادات في الشريعة والعلوم الإسلامية، وهو مع كل ذلك ضعيف الهمّة قليل الصبر، لا يستطيع أن يقوم بدوره في تعليم الناس وبيان أحكام الإسلام لهم، بسبب كسله وخموله وقلة حيلته وضعف إرادته، فهل هذا وأمثاله يمكن أن يُنتفع بشئٍ من علمه؟

فها هم علماء الفضائيات والفنادق والمكيفات الذين جلسوا على أبواب السلاطين، يستجدون منهم العظام والفتات فصاروا - والعياذ بالله - عبيدًا للظهور على الشاشات، وأخذ الأعطيات وإصدار الفتاوى ضد المجاهدين وحملة الدعوة، فانصرفت هممهم عن الدعوة ونشر العلم، إلى طلب الكراسي والمناصب، والجري بين جنبات الوزارات، لعله ينالهم من الطيب نصيب كما يقال ... وهناك أمثلة كثيرة توضح بشكل جلي أن الهمّة هي أساس مهم للقيام بالأعمال والوظائف والنجاح والانتصار، وتحقيق النتائج المهمة، وهي إن كانت لازمة للأعمال البسيطة والقليلة الأهمية، فلن يكون الأمر كذلك في الأمور الخطيرة والمصيرية، والتي تخص ديننا وأُمَّتنا وإقامة دولتنا، فهي في هذه الأمور العظام أشدّ أهمية وأكثر طلبا وإلحاحًا، فكيف إن تعلق الأمر بالجيش الذي يقاتل دفاعا عن دين الله، ألا يحتاج جنود ذلك الجيش إلى همّةٍ قويّة، وإرادة فولاذيّة، من أجل القيام بالمهمات ودفع الملمات، ورفع المظالم عن المسلمين والمسلمات، لأن الجندي في جيش التوحيد لا يعرف الخمول أو القعود، أو التراجع أو الاستسلام، أو الانبطاح أمام العقبات مهما تعاظمت الشدائد، وكثرت المصائب، لا تراجع ولا انهزام ولا ضعف للهمم والعزائم .. هذه كلمات ملغاة من قاموس الجندية في جيش التوحيد، هذه كلمات لا يعرفها الموحدون فقط يسمعون بها حتى لو بقي الجندي وحيدا في الميدان سيظل يقاتل كالشجعان حتى لو لم يبقَ في الأمة غيره، فلن يترك ساحة المواجهة، وسيبقى على كل الجبهات وفي كل المواقع، حتى لو واجه جيشًا بأكمله كما قال تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا} النساء: 84، فهذا خطاب موجّه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يستمر في القتال حتى لو بقي وحيدًا، حتى لو تخلّى عنه العالم، حتى لو واجه قوى الأرض مجتمعة، هذا قائد الأمة وهذا مؤسس جيش التوحيد من الصحابة الكرام - رضي الله عنهم - أجمعين، الذين كانوا خير جنود لخير قائد، فقد كان معلمهم محمد - صلى الله عليه وسلم -، وكان قدوتهم في الثبات والقوة والمواجهة، وها هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت