النبي - صلى الله عليه وسلم - يسطِّر ذلك بشكل عملي أمام الصحابة في كثيرٍ من المواقع كما حدث في غزوة حنين، عندما تراجع جيش المسلمين في بداية المعركة، وبقي النبي - صلى الله عليه وسلم - في الميدان وفي ساحات المواجهة، بل إنه هاجم العدو وحيدًا حتى أن العباس - رضي الله عنه - كان يمسك بدابة النبي - صلى الله عليه وسلم - لكي يمنعه من التقدم خوفا من أن يصيبه مكروه - صلى الله عليه وسلم - وهو ينادي في الناس"أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب"، حتى ارتفعت همم الصحابة مرة أخرى وقويت عزائمهم عندما رأوا بأعينهم همّة النبي - صلى الله عليه وسلم - العالية وإقدامه وثباته ومهاجمته للعدو فعادوا إلى مواقعهم وثبَّت الله قلوبهم حتى فتح عليهم وتحقق النصر بإذن الله تعالى ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك الوقت صغير السن بل كان كبيرا قد قرب من الستين أو تجاوزها بقليل ومع كل ذلك كانت همته وعزيمته أقوى من عزائم وهمم الشباب الصغير السن حتى أنّ عليا - رضي الله عنه - كان يقول كنا إذا حمي الوطيس نلوذ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي أننا كنا إذا اشتد القتال وحميت المعركة ووقع الجدّ وذهب الهزل وصار الموت قريبا من الجنود نختبئ خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو أقربنا إلى العدو و الحديث هنا ليس عن أي جنود إنهم الصحابة - رضي الله عنهم - بما عرف عنهم من القوّة والشدّة و الصلابة ومع كل ذلك كانوا إذا اشتدت عليهم المعارك يَدَّرِعُون بالنبي - صلى الله عليه وسلم - حتى باتت مواقف النبي - صلى الله عليه وسلم - دروسا عملية للصحابة حتى في أصعب الظروف وأشدها قساوة كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلّم الصحابة - رضي الله عنهم - معنى قوة العزيمة كما حدث في غزوة الخندق والحصار الذي فرضته الأحزاب على المدينة حتى أصاب النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة - رضي الله عنهم - التعب الشديد والجوع الشديد حتى أنهم ربطوا على بطونهم حجارة من شدة الجوع و العطش حتى قال تعالى في وصف تلك الشدة {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} الأحزاب: 10 - 11، وكأنه زلزال تهتز بسببه الأرض و تهتز بسببه القلوب وترتعد لشدته النفوس ومع كل تلك الشدة والجوع والعطش والحصار فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - عالي الهمة حتى أنه بَشَّر الصحابة أثناء حفر الخندق بأن القسطنطينية و روما سوف يفتحهما المسلمون تخيل الموقف و الخطورة التي تحيط بالمسلمين ومع كل ذلك فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - يبشر الصحابة بالفتوحات والانتصارات رفعا لهمم الصحابة وتقوية لعزائمهم حتى فتح الله عليهم وهزم الأحزاب وحده وأعز جنده ونصر عبده فارتدّت الأحزاب على أعقابها وخابت بعد طغيانها وعادت مهزومة بعددها و عدتها وكبريائها وجبروتها ... جاءت قريش ومن معها من الأحزاب لاستئصال هذا الدين وقتل النبي الأمين، جمعت من حولها قوات التحالف وأحلاف الأرض وجنود الباطل وعساكر الطغاة جاءت بخيلها ورَجِلِها وعملائها و أذنابها وصهاينة ذلك الزمان ومن جمعت من أحفاد أبي رِغَال وعبد الله بن أُبَيّ بن سلول وغيرهم من أذناب الكفر ومن المنافقين ... جاء التحالف وجاءت معه الأحقاد لتدمير البلاد وقتل العباد ... ألا ترى يا أخي أنّ قريش الأمس تشبه قريش اليوم أم أنني أراك تغضب من هذه المقاربة ثم تصرخ في وجهي قائلا إنّ قريش اليوم هي أشدّ ظلما وأكثر فتكا وأعظم طغيانا وأكبر عدوانا ... فقريش الأمس كان عندها بعض الأخلاق وكانت تراعي بعض القيم التي تعارف عليها الناس فكانت تساعد الملهوف وتجير الضعيف وتكرم الناس في كثير من الأحيان وغيرها من العادات التي كانت موجودة فجاء الشرع بإقرارها وإثبات مشروعيتها ... أما قريش اليوم فقد تخلّت عن كل قيمة وتنازلت عن كل خُلُق عندما غزت الأمة واعتدت على أراضي الأمة ونهبت خيرات الأمة وتطاولت على أعراض الأمة فهي قريش"أبو غريب"وما حدث فيه من إجرام وانتهاك للأعراض وهي قريش"غوانتنامو"الذي مارست فيه الظلم بأفظع الأساليب وأشدها امتهانا لكرامة