فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 604

الإنسان وهي قريش الملايين الذين قتلوا والآلاف اللواتي اغتصبن، والمدن التي دمرت والحرمات التي انتهكت وغير ذلك من الإجرام ولله الحمد والمنّة فإن الأسماء تتشابه بين الأمس واليوم وإنّ الأهداف كذلك تتشابه بين الأمس واليوم فهناك كان تحالف واليوم صار تحالف وبالأمس كانوا يريدون اجتثاث الدين الجديد واليوم صار الهدف هو القضاء على الإرهابين في كل مكان وبذلك يتجدد الصراع ويتجدد مع ذلك العداء وإن الله تعالى الذي رد أحزاب الأمس خاسرين مدحورين لقادر على رد قريش اليوم خاسرة مندحرة بإذنه سبحانه وتعالى وإن جيش التوحيد الذي قاتل قريش الأمس لهو الجيش ذاته الذي يقاتل قريش اليوم وإن اختلف الأشخاص فإن العقيدة واحدة والمبادئ واحدة ... ومع كل تلك الصعوبات التي كانت تواجه جيش التوحيد في عهد النبوة فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان صاحب الهمة القوية والعزيمة الشديدة فقد كان - صلى الله عليه وسلم - وحيدا يدعو بمفرده حتى أعزَّه الله وأعزّ دينه وصارت أمته تزيد عن المليار بالرغم مما لقيه من ألوان العذاب والظلم والتطاول على شخصه وعقيدته وعِرضه وجسده وغير ذلك من صنوف العذاب التي كانت تطارده في كل مكان ومع كل ذلك فقد بقي متمسكا بدينه بل كان يزداد قوّة وصلابة مع ازدياد الضغوطات والاعتداءات فمنذ أن بدأت دعوة الإسلام سرا في مراحلها الأولى والنبي - صلى الله عليه وسلم - يبذل كل جهده ويطرق كل الأبواب ويدعو من استطاع دعوتهم إلى الله تعالى عندما خاطبه الله تعالى بقوله: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ} المدثر: 1 - 2، فقد جاءت الآية بصيغة الأمر"قم"يا محمد - صلى الله عليه وسلم - إنها دعوة السماء وكلام الكبير المتعال قم يا محمد - صلى الله عليه وسلم - قم للأمر العظيم الذي ينتظرك ... قم للعبء الثقيل المهيأ لك ... قم للجهد و النصب ... قم للكد والتعب ... قم فقد مضى وقت النوم وانقضى وقت الراحة وإنها لكلمة عظيمة رهيبة لها وقعها على النفس وتأثيرها على القلب لأنها تنزعه - صلى الله عليه وسلم - من دفء الفراش في البيت الهادئ لتدفع به في معامع الدعوة والتبليغ وتحمل المتاعب والمصاعب و المشاق إنها همّه الدعاة والدعوة قم يا محمد - صلى الله عليه وسلم - فقام فظل قائما بعدها لأكثر من عشرين عاما فلم يسترح ولم يعِش لنفسه ولا لأهله ولا لعمله ولا لوظيفته ولا لماله ... قام - صلى الله عليه وسلم - بعد هذه الكلمة وظل قائما حتى توفاه الله تعالى حاملا على عاتقه العبء الثقيل والكبير ولا يتخلى عنه لأنه عبء الأمانة الكبرى والرسالة العظمى ... عبء الأرض كلها والناس كلهم وعبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى ... قم يا محمد وجاهد الجاهلية بكل تصوراتها وأفكارها ... إنها المعركة بين الحق والباطل تنطلق الآن بكلمة قم لقد بدأت أمة المليار إنها تنطلق اليوم بكلمة قم ...

قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم - قم فقام حتى توفاه الله يبلِّغ ويدعو ويجاهد فكيف كانت همّته وكيف كانت عزيمته وكيف كان عمله - صلى الله عليه وسلم -؟ إنه صاحب الهمم ومعلم الأمم الذي بلغت دعوته القمم فلا يوجد بين الناس من هو أعظم منه همّة وأقوى عزيمة وأكثر التزاما بواجبات هذه الدعوة وهذا واضح وجلي من خلال سيرته - صلى الله عليه وسلم - ومن خلال مراحل الدعوة من بدايتها وحتى نهايتها سواء أكانت الدعوة سرية أو علنية أو كانت فردية أو جماعية فلم يعرف عنه كلل ولا ملل ولا يأس ولا إحباط ولا خوف من بشر حتى أنه - صلى الله عليه وسلم - كان لا ينام إلا قليلا فقالت له خديجة رضي الله عنها: ألا تنام؟ فقال - صلى الله عليه وسلم:"مضى عهد النوم يا خديجة" [1] ، يترك النوم - صلى الله عليه وسلم - لأنه يحمل هم الدعوة وهم الأمة ويفكر في الطرق المناسبة لنشر هذا الدين في ربوع العالمين وهو إن لم يترك النوم من أجل الدعوة فإنه يتركه من أجل أمر آخر ألا وهو العبادة ومناجاة ربه سبحانه وتعالى فقد كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه فإذا بعائشة رضي الله

(1) لا أصل له، لم يعثر علماء التخريج على اصل له بعد طول بحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت