فهرس الكتاب
العجب والاعتماد على النفس دون الالتجاء إلى الله تعإلى، فهل نفعت الكثرة؟ وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن العبرة في قوة جيش التوحيد ليست بالعدد والكثرة وإنما بصدق الإيمان وصلابة التوحيد والصبر واليقين، أو هو ما يُعرف اليوم بالنوعية أو الكفاءات الخاصة أو القوات الخاصة والتي تكون أعدادها قليلة بالنسبة للجيوش ولكن أعمالها خطيرة وكبيرة ومؤثرة حتى أن جيوش الأرض صارت تقسم نفسها إلى أقسام فمنها ما يكون للحراسة وللحفاظ على الأمن الداخلي والنوعيات الأهم والأخطر تكون لسلاح الطيران والأسلحة الخطيرة والمتطورة، ولكن جيوش الأرض تعتد على مستويات التدريب والقدرات العقلية والعلمية والبدنية حتى يتم الفصل بين الجنود لاختيار الأفضل أما جيش التوحيد فهو يتبنى استراتيجية مختلفة عن كل جيوش الأرض لأن اختيار نوعيات الجنود تعتمد بالدرجة الأولى على الإيمان وعلى صدق التوحيد هذا معيار ومقياس التفاضل بين الجنود في جيش التوحيد، فكلما زادت التقوى عند الجندي كلما ارتفعت درجته في الدنيا والآخرة فدرجته في الدنيا ترتفع لكونه الأتقى والأعلم وهذا يؤهله لكي يكون قائدًا وترتفع درجته كذلك في الآخرة لأن أرحم الراحمين يكرم عباده المتقين، {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة: من الآية 11) فإذا تخلى الجندي عن إيمانه أو ضعف إيمانه فإنه يصبح كغيره من جنود الأرض، ز ولا أريد أن يفهم أحد أن الإعداد المادي والتدريب العسكري ليس مهمًا أو ليس فرضًا وهذا كلام خطير وأنا أقصد هنا أن الإعداد الإيماني هو الأهم بالنسبة لجندي جيش التوحيد من الإعداد العسكري فنحن لا نقاتل عدونا بعدد ولا عدة وإنما نقاتل بإيماننا فإذا اعتمدنا على غيره تركنا لله لقوتنا وها هي قواتنا تخذلنا في بداية غزوة حنين، ها نحن ننسحب أمام أول هجوم لجيش الشرك لم تنفع الكثرة كما لم تضر القلة مع الإيمان الصادق في بدر، فلو قارنت بين غزوة بدر وبين غزوة حنين من حيد العدد والعدة فقد لا تجد مقارنة بينهما ومع ذلك كانت غزوة بدر هي الأعظم ونتائجها هي الأشد على الكفار فما الذي حدث؟ وما هو الفارق الحقيقي البعيد عن المظاهر المادية والعسكرية؟ إنها مستوى الإيمان ومعدل اليقين لقد كان الإيمان في بدر في أعلى مستوياته أما في حنين فلقد تأثر اليقين شيئًا قليلًا بسبب كثرة العدد فكان الفرار في بداية المعركة، أين يذهب قائد جيش التوحيد بعدما تراجع جنوده؟ أين أنت يا رسول الله؟ في هذه اللحظات العصيبة تظهر القيادة الحقيقية الصلبة من خلال ثباتها وإقدامها، روى مسلم عن العباس رضي الله عنه قال:"شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين فلزمته أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ولم نفارقه وهو على بغله له بيضاء فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله ر يركض بغلته قِبل الكفار، قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ر أكفها إرادة أن لا تسرع وأبو سفيان أخذ بركاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال عليه الصلاة والسلام"ناد أصحاب الشجرة (وهي الشجرة التي كانت عندها بيعة الرضوان عام الحديبية) فقلت بأعلى صوتي يا أصحاب الشجرة قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقرة على أولادها فقالوا: يا لبيك، يا لبيك، وأقبلوا يقتتلون مع الكفار وكان النداء: يا للأنصار، وأشرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر إلى قتالهم قائلًا: الآن حمي الوطيس ثم أخذ حصيات من الأرض