قال تعإلى {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى*إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى*وَلَسَوْفَ يَرْضَى} وفي الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"من أنفق زوجين في سبيل الله دعته خزنة الجنة يا عبد الله هذا خير"فقال أبو بكر: يا رسول الله ما على من يُدعى منها ضرورة فهل يُدعى منها كلها أحد؟ قال"نعم وأرجو أن تكون منهم" [1] .
هل يحتاج أحد من البشر لأفضل من هذه الشهادة القرآنية؟ (ولسوف يرضى) يا لهذه الكلمات ما أروعها وما أجملها وما أعظمها رضي اله تعإلى عنك يا أبا بكر، لقد كنت خير الجنود فنلت خير الشهادات بعدما قدمت ما قدمت لدين الله تعإلى، وقبل أن أختم الحديث عن هذا الجندي الذي أخذ المرتبة الأولى من بين جنود الإسلام بكل استحقاق وبكل جدارة تخيلت أبا بكر في أول يوم من أيام إسلامه يقف هكذا مع نفسه لكي يقول لها يا نفس هذا طريق الحق هداك الله إليه، أنتِ اليوم في أول يوم من أيام هذه الطريق، لقد بحثت كثيرًا وها أنت اليوم تجدين ضالتك التي كنت تبحثين عنها. أنت منذ اليوم لست لهذه الدنيا كفاك ويكفيك ما عملت للدنيا أنت اليوم مجندة للآخرة، أنت منذ اليوم جندية تعملين ليل نهار من أجل الآخرة، ولست وحدك ستتجندين بل أنت ومالي وولدي وأهلي وتجارتي وعبيدي وكل شيء له علاقة بي سيتم تجنيده في خدمة هذا المشروع الجديد، وكأنه منذ اليوم الأولاد طلق الدنيا طلاقًا بائنًا لا رجعة فيه وطلب الجنة وحورها وبدأ يدفع مهرها، وكأنه قطع كل حبال الأرض لكي يصلها ويربطها بالسماء، وكأنه رفع بصره إلى السماء قائلًا يا رب، اقبلني جنديًا من جنودك عبدًا من عبيدك، خادمًا من خدمة دينك، داعية من الدعاة لتوحيدك، مجاهدًا من المجاهدين في سبيلك، أضع نفسي ومالي وأهلي وكلي بين يديك فاقبل مني وتقبلني، أنا مستعد لكل المهمات وكل الواجبات ولكل المأمورات ولكل الشدائد، أنا مستعد لدفع الثمن من دمي ومالي وولدي وأغلى ما أملك في هذه الحياة الدنيا، وكأنه يُقف نفسه لله منذ اليوم الأول إلى أن لقي الله تعإلى، لذلك صار أبو بكر أبا بكر ولذلك نال ما نال ووصل إلى ما وصل غليه، أخي الجندي إن كنت تريدُ الشرف فأدفع الثمن لن تنال الشرف بدون دفع الثمن يقول تعإلى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} (التوبة: من الآية 111) أخي الجندي بع نفسك اليوم قبل أن تتلف النفس فتموت فتخسر، بإمكانك اليوم أن توقع العقد ولكن بعد موتك لن تكون هناك عقود بل سيكون هناك حساب، ألا ترى كيف ربح بيع أبي بكر، ألا ترى درجته ألم تقرأ عن مكانته؟ ألا تحب أن تكون مثله؟ كأني أسمعك تصيح قائلًا نعم أحب أن أكون شعرة على صدره، إذًا فبع كما باع، واعمل كما عمل وخذها قاعدة، إن التشبه بالصالحين فلاح.
اللهم اجعلنا من المفلحين.
· عمر بن الخطاب رضي الله عنه"أسد جيش التوحيد":
(1) ابن كثير ج 4 - ص 2041