فهرس الكتاب

الصفحة 487 من 604

عددهم أو لضعف إمكاناتهم المادية فإنكم منتصرون بإذن الله تعإلى، تذكر أخي قوله تعإلى: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} (البقرة: من الآية 249) جندي عابد، لقد رضي الله عنه كثير العبادة بأنواعها من السجود إلى الركوع إلى الحك، فقد روى غير واحد أنه حج ما يقرب عن عشرين سنة متتالية، وكان رضي الله عنه كثير القيام فقد روى الإمام مالكي في الموطأ أن عمر بن الخطاب كان يُصلي من الليل ما شاء الله حتى إذا كان من آخر الليل أيقظ أهله للصلاة ثم يتلو هذه الآية {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} (طه:132) وكان كثير البكاء يُرى في وجهه رضي الله عنه خطان أسودان من الدموع كما ذكر الغزالي في الإحياء 4/ 184. ومر رضي الله عنه يومًا بدار إنسان وهو يطوف بشوارع المدينة ليلًا يتفقد أحوال الرعية وهو يتلو مطلع سورة الطور فوقف يستمع فلما بلغ القارئ قوله تعإلى: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ*مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ} (الطور:7 - 8) فنزل عمر عن حماره واستند إلى الحائط ومكث زمانًا ورجع إلى منزله فمرض شهرًا يعوده الناس ولا يدرون ما مرضه، [1] عابد قائم صائم بكل خضوع وخشوع وانكسار لله تعإلى، العبادات هي التي تصنع من الجندي أسدًا من أسود الإسلام، إذا لم نكن رهبانًا في الليل فلن نكون فرسانًا في النهار ومن لم يجاهد نفسه ويلزمها بالطاعات فلن يستطيع مجاهدة العدو لأن الهزيمة أمام الشهوات والشيطان هي الهزيمة الحقيقية التي لا توازيها هزيمة فضلًا على أن تسبقها وقد حرص السلف على مجاهدة النفس ومكابدة الليالي فهذا أبو بكر رضي الله عنه حين استخلف عمر قال له: أول ما أحذرك نفسك التي بين جنبيك، نعم إخواني في الله إنها النفس التي تحتاج إلى تربية وإلى تهذيب وإلى تقوى وكل ذلك لن يتأتى إلى بالمحافظة على الطاعات والنوافل وأهمها قيام الليل، من هنا تبدأ الدرجات ومن هنا تؤخذ الرتب من مكابدة الليالي تبدأ الجندية الحقيقية في جيش التوحيد، اعلم أخي أنك أول ما يجب أن تجاهده هي نفسك التي بين جنبك فإنك إن انتصرت عليها كنت على غيرها أقدر وإن انهزمت أمام نفسك كنت عند غيرها اضعف، ولقد قالها عمر رضي الله عنه عندما كتب لجنده رسالته المشهورة والتي ذكرتها سابقًا، فلا حاجة لإعادة ذكرها ومما قال فيها:"، وآمرك ومن معك بأن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي من احتراسكم من عدوكم فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم". إلى آخر رسالته التي أرسلها لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه والتي يُعلم من خلالها جنوده كيف يكون النصر على العدو، هل رأيت أخي كيف كان فهم السلف للجندية؟ كيف كانوا يعلمون جنودهم؟ كيف أن مبدأ الجندية عندهم كان يقوم على أساس الطاعة والتي ترتبط درجة الجندي ورتبته بمدى التزامه بالطاعات فكلما زادت الطاعات ارتقى الجندي وارتفع وعلت رتبته عند الله تعإلى والعكس صحيح، فرتبة الفاروق التي نالها عمر بكل جدارة لم تأت من فراغ بل جاءت من كثرة الالتزام والبكاء والخشوع والانكسار لله تعإلى هذا بالإضافة للأعمال الأخرى التي يقوم بها الجنود لكي تكتمل

(1) إحياء علوم الدين 4/ 184

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت