جنديتهم ويتطور أداؤهم، فليكن لكل جندي أوراد من الطاعات والعبادات مقسمة على اليوم والليلة كالقيام والقراءة والذكر والدعاء والخدمة والسعي في طلب العلم وإصلاح ذات البين وغير ذلك من النوافل والطاعات،
جندي زاهد وأمير: هو عمر رضي الله عنه الذي انتقل من جاهلية عمياء إلى أن أصبح من الأولياء الأتقياء الأصفياء، الدنيا تبسط يديها أمامه ونفتح أبوابها الكثيرة لعلها تغريه فيعرض عن كل ذلك ويقبل على الآخرة مع كونه أمير المؤمنين الذي أعز الله به الإسلام وأذل به الشرك ففتح الله على يديه البلاد وأسلم لدينه العباد وكثرت الغنائم والخيرات وتوالت الانتصارات ومع ذلك فإن أميرنا يرفض الدنيا بكل ما جمعت له، فعن معاوية رضي الله عنه قال:"أرادت الدنيا عمر بن الخطاب فلم يردها" [1] الدنيا تعرض نفسها بقوة عليه وهو يَرُدها بقوة، ابتعدي عني لقد طلقتك ثلاثًا منذ أن تجندت في جيش التوحيد، إنه الانخلاع من الدنيا لأجل الآخرة إنه الزهد الذي يجعل الجندي الموحد مطاردًا من قبل الدنيا، الدنيا تطارده وهو هارب منها يريد الآخرة، نحن جنود الآخرة ولسنا جنودًا للدنيا فإذا كانت هي تطاردنا فنحن نطردها، يقول طلحة بن عبيد الله:"ما كان عمر بن الخطاب بأولنا إسلامًا ولا أقدمنا هجرة ولكنه كان أزهدنا في الدنيا وأرغبنا في الآخرة" [2] جندي زاهد يريد الآخرة مع كونه أمير المؤمنين والدنيا تطلبه وتنادي عليه بكل مغرياتها وشهواتها وشياطينها ولكن صاحبنا جندي زاهد، ولكن السؤال هنا كيف تكون جندية الزاهد حتى تطلق على أصحابها؟ نعم إن هذا السؤال يجعلنا نتذكر أصل معنى الجندية والتي معانيها الانضباط والطاعة والالتزام والتعب والبذل والعطاء والتضحية والفداء ولذلك فإن ضبط النفس وزجرها وقمع شهواتها والسيطرة على رغباتها وغير ذلك من معاني مجاهدة النفس كل ذلك يقوم على أساس معنى الجندية الأول أي أن النفس تجندت لصد شهوات نفسها ووساوس شيطانها وهذا المعنى الذي تحدثنا عنه قبل قليل من خلال الحديث عن مجاهدة النفس وتقديم ذلك على مجاهدة العدو كما أن أمير المؤمنين الذي فتح الله تعإلى عليه الدنيا ظل متمسكًا بجنديته من خلال عدم تميزه عن غيره من الجنود الذين يخدمون دين الله تعإلى في كل المواقع حتى أنه في معظم الأحيان كان يقدم أضعف الجنود عليه، ويكرم جنده أكثر من اكرامه لنفسه مع توافر الإمكانات لديه فهو مستمر في جنديته وضبطه لنفسه وهذا ما أرجو من الله تعإلى أن يرزقنا إياه بأن تكون الدنيا في أيدينا وليست في قلوبنا بأن نكون جندًا للآخرة وأن لا نضعف أمام مغريات وشهوات الدنيا، روى الإمام أحمد بإسناده عن مصعب بن سعد قال: قالت حفصة لعمر:"يا أمير المؤمنين لو اكتسبت ثوبًا هو ألين من ثوبك وأكلت طعامًا هو أطيب من طعامك فقد وسع الله من الرزق وأكثر من الخير، فقال: سأخاصمك إلى نفسك، أما تذكرين ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلقى من شدة العيش وكذلك أبو بكر؟ فما زال يذكرها حتى بكّاها، فقال لها: أما والله لأشاركهما في مثل عيشهما الشديد لعلي أدرك عيشهما الرضي". [3] جنديه حقيقيه وزهد كبير مع وجود الخير الكثير واقتداء بمن يجب والتزام حديدي، مدرسه أنت في الجندية يا عمر، جندي تحيط به
(1) كنز العمال 12/ 489
(2) أسد الغابة 4/ 61
(3) صفوة الصفوة 1/ 284