بقي مقصرا، هجرة متواصلة إلى الله تعإلى، لقد أعلن عثمان رضي الله عنه الهجرة وبقي مستمر فيها إلى أن لقي الله تعإلى باستشهاده، انه عثمان العابد الذي كان يقوم الليل فيقرأ القرآن الكريم في ركعة واحدة، وكان رضي الله عنه كثير الصيام وكان كثير التطهر والاغتسال حتى روي عنه انه كان يغتسل كل يوم منذ أن اسلم [1] ، صائم قارئ متطهر، جندي عابد، كيف يستطيع الوقوف كل تلك الساعات حتى يقرا القرآن؟ هو أمر مستغرب من قبلنا فنحن لا يستطيع الواحد منا أن يقرأ بضعة آيات وفي معظم الأحيان نكتفي بقصار السور، وبعضنا للأسف الشديد لا يعرف عن قيام الليل؟ و كأنك تحدثه عن اختراع جديد أو شيء مستحدث فإذا قلت له قيام الليل، أجابك باستغراب وما علاقتي بالموضوع , لقد انفصل كثير من الناس عن روح العبادة وحقيقتها، هي الليالي التي تصنع الرجال، من قام على قدميه يتوسل رحمة ربه ويتقرب لخالقه ومولاه, من ثبت قدميه لساعات في صلاة القيام فانه سيثبت الأيام بل السنوات في قتال الأعداء، القرآن كله في ركعة واحدة من الفاتحة إلى الناس في ليلة واحدة، أي جندي هذا، هاجر الفراش طوال الليل وكأنه مهاجر باستمرار لا يقر له قرار ,مهاجر لا يعرف وطنا ولا أهلا ولا دارا ,فنصرة دين الله هي دوما الخيار , انه عثمان الذي إذا وقف على قبر بكى حتى تخضل لحيته يبكي أمام الناس على القبر، ما بالك يا خليفة المسلمين تبكي؟ لماذا نذكر الجنة والنار فلا تبكي وإذا ذكر القبر بكيت كثيرا؟، أجاب الجندي قائلا. لقد سمعت رسول الله"- صلى الله عليه وسلم -"يقول:"إن القبر أول منازل الآخرة؟ فان نجي منه فما بعد أيسر منه؟ وان لم ينج منه فما بعده اشد منه"، جندي يبكي ليس خوفا من الموت وإنما خوفا مما بعد الموت , فالموت أول الرحلة إلى الآخرة والقبر أول منزل من منازل الآخرة، عثمان يخاف إن لا يكون قبره من منازل الصالحين فكيف بنا وبأحوالنا وبتقصيرنا؟، يبكي رضي الله عنه حتى تبتل لحيته خوفا من الله تعإلى فما لعيوننا قد جفت دموعه وانقضت حباله المرتبطة بالقلب، قلوب قاسية وعيون جافة، القبر ذلك المكان الذي يبكي خوفا منه ومن ما فيه الرجال، ذلك المكان الذي تشيب لهوله الولدان، تلك الحفرة المظلمة المغلقة الواقعة تحت سطح الأرض المدفونة في الأعماق التي لا تصلها إمدادات ولا مساعدات لا يصلها غير الجثث الهامدة، حفرة تطحن مئات الأجساد، حفرة لا يحب رؤيتنا الناس ولا الحيوان ولا سماع إخبارها، حفرة سيزورها كل إنسان ولكنها زيارة غريبة من نوعها , فهي زيارة إجبارية لا اختيار للزائر فيها؟ فجأة تأتي دون إذن مسبق لكي تنقلنا من دار إلى الأخرى، قئالتها يحدده العمل و النتيجة الأولية، فأما روضة من رياض الجنة وأما حفرة من حفر النار، والنتيجة النهائية جنة عرضها السماوات و الأرض و النار ابيضت ثم احمرت ثم اسودت، زيادة إذ رفت دموع خيرة رجال التوحيد خوفا، رجال بشرهم النبي بالجنة يبكون أمام القبر حتى تبتل لحاهم، وعلى النقيض من ذلك تجد واحدنا يقف أمام القبور لا ترتعد ته فريضة أو تهتز له شعرة و كأنه أمام متنزه أو منظر طبيعي حتى أن احدهم ترتسم بسمة على وجهه إلا من رحم ربي، قال تعإلى {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} التكاثر 1 - 4، فكن على حذر الموت لا قيود له، يا
(1) فضائل الصحابة 1\ 466