فهرس الكتاب

الصفحة 538 من 604

قيل لابن مبارك: إلى متى تسمع أي الحديث؟ قال: إلى الممات الحياة كلها علم عند ابن مبارك وبعضنا إذا بلغ العشرين أو الثلاثين من عمره اعتبر أنه قد تجاوز مرحلة طلب العلم وتمسك بالمقولة الزائفة -بعد ما شاب أرسلوه إلى الكتاب - من أراد العلم بحث عن أهله ابن مبارك بحث عن أربعة آلاف عالم فحمل عنهم العلم ثم لم يكتف بحمل العلم بل أخذ يعلم ويدعو وينشر الخير بين الناس قيل له: إلى متى تكتب العلم؟ قال: لعل الكلمة التي أنتفع بها لم أكتبها بعد كان من حوله يستغربون من حرصه ومداومته على طلب العلم حتى بعد ما كبر في السن انظر أفي إلى كلماته وأجوبته على أسئلة السائلين لكي ترى الهمة العالية والعزيمة المتوقدة التي تجعل التجنيد يستمر في نفوس جنودنا على مدار الساعة عمل متواصل وإقبال دائم على طلب العلم شعلة من النشاط وحيوية بلا توقف واستعداد بلا تردد هذه الكلمات عادة لا تقال للجنود نعم ابن المبارك من خيرة جنود أمتنا الناس يحبونه ويحبون الجلوس معه ولكنه دائم البحث والقراءة وطلب العلم قيل لابن المبارك: إذا أنت صليت لم لا تجلس معنا؟ فقال: اجلس مع الصحابة والتابعين أنظر في كتبهم وآثارهم فما أصنع معكم؟ أنكم تغتابون الناس لا يعرف الفراغ أو الكلام الذي لا فائدة منه لأن جنديته مستمرة والجندي لا يعرف غير المرابطة على الثغور وجندينا دائم المرابطة في طلب العلم ونشر الدعوة ومع كل ذلك العلم فقد كان قمة في التواضع وأستاذا في الدموع يقال له اكتب رأيك في مسألة من المسائل فيقول: من نحن حتى نكتب رأينا؟ هكذا بكل تواضع وقد حمل العلوم عن آلاف العلماء أما أحدنا فإنه ربما يقرأ كتابا أو كتابين ثم لا تسمعه يتحدث إلا بصيغة رأينا وقولنا ونحن نرى إلى آخر هذه الصيغ التي كان أكبر علماء الأمة يتورعون عن قولها أين مخافة الله تعإلى في إصدار الفتاوى؟ أين النقوف والتثبت والبحث عن الأدلة؟ أين احترام العلماء وتقديرهم وإنزالهم منازلهم؟ انظر أخي إلى أخلاق العلماء وصفات العاملين الربانين عبد الله بن مبارك علم وعالم ومعلم يضرب لنا أروع الأمثلة في الخلق الحسن والتواضع فليس العلم بكثرة الشهادات ولا بكمية المعلومات وإنما العلم يكون بالسلوك والمعاملة والتفاعل مع الناس وتطبيق العلم على أرض الواقع من خلال الممارسة العملية ما فائدة أن يتحدث إنسان عن خلق الصدق صباح مساء بأروع وأجمل الأساليب اللغوية والبلاغية وبكل قوة وإقناع ثم بعد ذلك نراه يكذب ويخالف فعله قوله فهل يا ترى سيبقى لآذاننا أو لقلوبنا أو لعقولنا أو لأي شيء فينا إن يسمع أو يأخذ أو يصدق ذلك المدعي أن الأمة تحتاج العلماء ربانين لا يخافون في الحق لومة لائم يقولون للظالم أنت ظالم لا يلبسون على الناس دينهم علماء إذا قالوا فقولهم لله وإذا عملوا فعملهم لله ماذا دعوا فدعوتهم لله وإذا بكوا فبكاؤهم من خشية الله قال رجل خياط لابن مبارك: أنا أخيط ثياب السلاطين فهل تخاف أن أكون من أعوان الظلمة؟ قال: لا إنما أعوان الظلمة من يبيع منك الخيط والإبرة أما أنت فمن الظلمة أنفسهم [1] من يخيط للظالمين ظالم مثلهم فكيف من يحرس الظالمين أو يدافع عنهم أو يموت من أجلهم أو يتجند في جيوشهم هذا إن كانوا ظالمين فكيف بهم إن كانوا كافرين أو مرتدين؟ كيف إذا كانوا يسومون الأمة سوء العذاب ويحكمونها بغير شريعة

(1) إحياء علوم الدين الغزالي ج 2 ص 110

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت