وضعفت إمكاناتها فستبقى سماوية ابن المبارك يذهب بقافلة إلى الحج محملة بكل ما لذ وطاب فمر بقربة في الطريق أشرف أهلها علة الموت حتى أكلوا الميتة فوزع القافلة كلها وعاد إلى دياره حج مبرور وسعي مشكور وتجارة لن تبور كان يتصدق كل عام بآلاف الدنانير والدراهم على الفقراء والمحتاجين يحفظ حقوق الناس ولا يفرط في شيء منها فقد نسي قلما لأحد الناس عنده وسافر ثلاثة أيام فتذكر القلم فعاد بالقلم إلى صاحبه ألف ابن المبارك كتاب الزهد فأتى ليقرأه على الناس في المسجد فما استطاع من كثرة البكاء قال ابن المبارك بحضور الناس: أكره العصاة وأنا شر منهم وأحب الصالحين ولست منهم أنت تقول ذلك فماذا أقول أنا ماذا نقول نحن؟ لقد أثقلت كاهلنا وأتعبت نفوسنا بهذه الكلمات لننظر من يقول تلك الكلمات إنه الرجل الذي كان يقوم ليلة كاملة يردد آية واحدة كان قد خصص ثيابا خاصة لقيام الليل فلما حضرته الوفاة أمرهم أن يكفن فيها لما حضرته الوفاة تبسم وتلى {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ} الصافات:61، العابد الزاهد الباكي القائم المنفق المتصدق المتواضع يقول: / أكره العصاة وأنا شر من العصاة فماذا يقول العصاة فماذا يقول العصاة أمثالنا؟ أهل الفضل يسبقون غيرهم جنود السلف يسبقون غيرهم في كل شي روى الجاحظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن المبارك من طريق محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة قال: أملي علي عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرطوس لكي أرسلها للفضيل بن عياض:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا ... لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه ... فخيولنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل ... فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا ... رهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا من مقال نبينا ... قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي غبار خيل الله في ... أنف امرئ ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا ... ليس الشهيد بميت لا يكذب
فوصلت الرسالة إلى الفضيل بن عياض وهو في المسجد الحرام فقرأها فذرفت عيناه وقال: صدق أبو عبد الرحمن ونصحني ثم قال لحامل الرسالة اكتب هذا الحديث عن أبي هريرة أن رجلا قال:"يا رسول الله علمني عملا أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله فقال: هل تستطيع أن تصلي فلا تفتر وتصوم فلا تفطر؟ فقال يا رسول الله أنا أضعف من أن أستطيع ذلك فقال عليه الصلاة والسلام:"فو الذي نفسي بيده لو طوقت ذلك ما بلغت المجاهدين في سبيل الله"ابن المبارك في ساحات الجهاد لم يكتف بالنفقة والدعوة والقيام والصيام والإحسان للناس بل طلب الثغور لكي ينال عظيم الأجور ثم لا يمكنه أن يجاهد بل يرسل رسائل التحريض والتعبئة لإخوانه وأقرانه من علماء السلف جندي عجيب كنت يا بن المبارك لقد أتعبت الجنود من بعدك يجاهد ويحرض ويدعو ويعلم ويساعد الناس ويفتح داره للناس يؤون إليها ويفتح كيسه وينفق"