فمع الله فهو لله وبالله ومع الله ... كل شيء لله كل حركة لله كل سكنة لله وكأنّه إنسان ربّاني لا يعرف غير الله لأنّ اللهَ تعالى غايتَهُ وهو مقصدَهُ وهو يبذل كل جهده من أجل الوصول إلى تلك الغاية وكأَنَّ هذه الغاية تأتي في نهاية الطريق الطويل الذي يسلكه الجنديّ الموحّد فهو يقاتل ويجاهد ويتحمل المشاق ويتجاوز العقبات وينفق عمره و وقته وماله من أجل الوصول الى تلك الغاية فكلّ غاية تصغر أمام هذه الغاية لأنّها بحقٍ هي غاية الغايات التي قد يغفل عنها كثير من الناس لأنّ كثيرًا من الناس غايتهم القصوى هي المكاسب الدنيوية من وظائف ومناصب وأموال وشهادات وغير ذلك من هذه الغايات الدنيوية صحيح أنّ المسلم لا بدّ له من العمل على تحسين ظروفه وتطوير حياته والسعي الى الكسب الحلال والمثابرة في التعليم ونيل الشهادات المفيدة والزواج والأولاد وغير ذلك لأنّ هذه غايات مشروعة أباحها الله ولكن المشكلة تكمن في أن تصبح هذه الغايات هي الغايات المركزية للإنسان في حياته فتنصرف همّة العبد عن الآخرة إلى الدنيا وعن الغاية الكبيرة الى غايات صغيرة فقيرة حقيرة سرعان ما تذهب وتزول فليكن لكل شخص غاياته الخاصة ولكن الحذر ثم الحذر من أن تسمو أيّ غاية دنيوية على الغاية الكبرى لخلق الإنسان {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الذاريات: 56، هذه هي الغاية الكبرى عبادة الله تعالى وتوحيده ونشر دعوته وجهاد أعدائه وإقامة حكمه في الأرض وتطبيق الشريعة على الناس وتوحيد الامة تحت راية واحدة وخليفة واحد وإخراج الغزاة من ديار الإسلام ومحاربة الردّة والمرتدين وكشف شبهات المنافقين المشكّكين والذود عن أعراض المؤمنين وصون حرمات الموحدين ورفع الظلم عن المظلومين وتمريغ أُنوف الظالمين وإقامة الحجة على المخالفين وبذل النصيحة للمخطئين ونصرة المستضعفين ومساعدة المنكوبين وعون من احتاج إلى معين وإزالة الذل وإعادة العزّة وحفظ الكرامة وحماية خيرات الأمّة وتوزيعها على أهلها ومستحقيها وإقامة شعائر الدين ونشر العلم الشرعي الصحيح ومحاربة البدع والتحذير من الفرق المنحرفة وكشف شبهاتها وإزالة باطلها وإقامة العدل والأمر بالمعروف والإحسان إلى الناس والنهي عن المنكر ومحاربة البغي والعدوان والتعاون على البر والتقوى والخير ونشر الفضيلة وقطع أوصال الرذيلة وتجفيف منابعها ... أهدافا كلها ساميةً وعاليةً ورفيعةً وعزيزةً وكريمةً تهدف إلى رفع الظلم ونشر العدل وإحقاق الحقّ وإبطال الباطل {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} النحل: 90، هي غاياتٌ كثيرةٌ وأهدافٌ عديدةٌ كلّها تسير في خطّ واحد من أجل الوصول إلى الهدفِ الأكبر والغاية القصوى ألا وهي إرضاء الله تعالى فالجنديّ الموحّد يسعى بكل قوّته وبكلّ طاقته الى الوصول إلى تلك الغاية وكلّ الغايات الأخرى تأتي لخدمة هذه الغاية كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الأنعام: 162، كل شيء لله من أوّل الحياة إلى آخرها بصغيرها وكبيرها هي من أجل الله وفي سبيل الله ... وهذه الغاية العظمى تحتاج الى رجال عظام يحملون على أكتافهم همَّ هذا الدين فلا ينظرون الى الدنيا ولا يريدون منها شيئًا وإنّ هذه المهمّة العظيمة تحتاج إلى مجاهدة عظيمة للنفس حتى لا تركن الى الدنيا وحتى لا تجرفها المغريات وتؤثر عليها الشهوات ... يا أيتها النفس المؤمنة كوني كذلك على مدار الأزمنة إيّاك أن تكوني أمَّارةً بالسوء أو أن تركني إلى الدنيا السّخيفة {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي} الفجر: 27 - 30، فالنفس تتغير وتتأثر وتتبدل فهي فرّارة طيّارة كثيرة التقلّب والتلّون فسرعان ما تنقلب على نفسها وتتنكر لما كانت عليه من النعمة الا من رحم الله تعالى