المسألة الأولى
حكم إزالة الأعيان النجسة بأيِّ مُزيل غير الماء
يرى الإمام الصنعاني - رحمه الله - جواز إزالة الأعيان النجسة بأيِّ مُزيل يزيل هذه النجاسة. وأما تعليق الشارع للإزالة بالماء؛ فهو أغلبي؛ لأنَّ الإزالة به تكون في الغالب.
قال - رحمه الله:"ونقول أولًا: إنَّ المطلوب للشارع في الأعيان المستَخبثة شرعًا من النجاسات: إزالتها بأيِّ مُزيل. والدليل على خصوصيَّة المُزيل يحتاج إلى دليلٍ ناهضٍ. وإذا عرفتَ هذا؛ عرفتَ قوَّة الأصل الأول، وعرفتَ أنَّ تعليق الشارع للإزالة بالماء في غالب كلامه؛ لأنَّ الإزالة به أغلب - بلا رَيب -، وعرفتَ أيضًا أنَّ الحق: كفاية إزالة غيره للأخباث دون الأحداث؛ فإنَّه يتعيَّن لها الماء والتراب ..." [1] .
وهذا ما يتوافق مع رأي عائشة - رضي الله عنها -؛ فإنَّه ثبت عنها - كما في «صحيح البخاري» [2] - أنَّها قالت: «ما كان لإحدانا إلاَّ ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيءٌ من دم قالت برِيقها؛ فقَصعته بظُفرها» .
ويَرِد على هذا الفهم لقولها: أنَّ هذا داخلٌ في باب اليسير المعفو عنه، وليس المراد هنا تطهيره.
ولكن يُقال: إنَّ هذه الدعوى تحتاج إلى إثبات أنَّه كان يسيرًا فقط، ولم يُقصَد به - هنا - طهارتها.
ورأي الصنعاني يوافق أيضًا رأيَ ابن عمر في القول بطهارة الأرض بالجفاف:
قال ابن عمر - رضي الله عنهما: «كَانَتِ الْكِلابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ، فِي زَمَانِ النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ» [3] .
(1) الصنعاني، منحة الغفَّار، مرجع سابق، 1/ 116 - 118.
(2) حديث صحيح، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: الحيض، باب: غسل دم المحيض، برقم (308) . والبيهقي في الكبرى، باب إزالة النجاسات،1/ 21، برقم (38) .
(3) حديث صححيح، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: الوضوء، باب: إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا، برقم (175) ، وأبو داود في سننه، كتاب: الطهارة، باب: في طهور الأرض إذا يبست، برقم (382) .