المسألة الخامسة
إذا وقعت النجاسة في شيء من المائعات: هل تُنَجِّسها؟
يرى ابن الأمير الصنعاني أنَّ النجاسة إذا وقعت في شيء من المائعات - كالسمن والعسل والزيت والمرق والطيب - لا تُنَجِّس شيئًا منها، سواء كان هذا الشيء قليلًا أم كثيرًا؛ فإنَّ هذه النجاسة لا تؤثِّر إلاَّ إذا غيَّرت أحدَ أوصاف هذا المائع الذي سقطت فيه.
واستدلَّ - رحمه الله - على ذلك: بأنَّه طاهر قبل وقوع ما وقع فيه من النجاسة، وإذا وقعت هذه النجاسة ولم تغيِّر له وصفًا فإنَّه لا حكم لها؛ ولا أثر لوقوعها؛ لأنَّها لم تُغيِّر له اسمًا ولا أحدثتْ فيه وصفًا؛ فلا يتغير حكمه بوقوعها.
قال:"وينبغي أن يُعلم أنَّ كل مائع وقعت فيه نجاسة - من زيت أو سمن أو عسل أو مرق أو طيب، أو أي شيء مائع وقع فيه نجاسة أو ميتة - فإنَّ حكمه حكم الماء؛ فإنها إن غيَّرت أحد أوصافه فقد صار نجسًا وحرُم استعماله وحرُم بيعه، فإن لم تغيِّر منه وصفًا مِن أوصافه فإنَّه حلال أكله وشربه واستعماله وبيعه وشراؤه - كما كان قبل ذلك كذلك -."
ودليله: أنَّه حلال طاهر قبل وقوع ما وقع فيه من النجاسة، ولمَّا وقعت فيه ولم تغيِّر له وصفًا فإنَّه لا حكم لها ولا أثر لوقوعها؛ فإنَّها لم تغيِّر له اسمًا ولا أحدثتْ فيه وصفًا؛ فلا يثبت له بوقوعها فيه حكمٌ؛ إذ لم يأتِ نصٌّ بالنهي عنه ولا قياسٌ صحيحٌ؛ فبقيَ على أصله من الحلِّ والطهارة.
وبمثل هذا صرَّح أبو محمد بن حزم [1] ، وصرَّح ابن تيميَّة [2] في بعض (رسائله) ، وبه نقول"اهـ [3] ."
(1) علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، ابو محمد، عالم الاندلس في عصره، وأحد أئمة الاسلام، ولد بقرطبة سنة (384 هـ- 994 م) وكانت له ولابيه، فزهد بها وانصرف الى العلم والتأليف، فكان حافظا فقيها، مستنبطا للاحكام من الكتاب والسنة. وقد درس المنطق وألف فيه «التقريب لحد المنطق والمدخل اليه» . وجعله بأسلوب اهل العلم لا بأسلوب اهل الفلسفة، معتمدا في امثلته على الامور الفقهية.، ودرس ابن حزم مذهب الشافعي وتعمق في دراسته وتعصب له، ثم انتقل الى مذهب الظاهرية. ودرس فقه المالكية ودرس الموطأ. وقام بتنقيح مذهب داود، ووضع الكتب في بسطه وتفسيره. واتخذ لنفسه بعدها مذهبا خاصا وآراء تفرد بها"اظر الذهبي: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي، تذكرة الحفاظ"نشرة: دار الكتب العلمية بيروت-لبنان ط 1، 1419 هـ- 1998 م، (3/ 230، 231) .
(2) هو: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، أبو العباس، تقيّ الدِّين ابن تيميَّة، الإمام، الفقيه، المفسِّر، المجتهد، شيخ الإسلام، ولد في حرَّان سنة 661 هـ، وتحوَّل به أبوه إلى دمشق؛ فنبغ واشتهر، وماتَ معتقلًا بقلعة دمشق سنة 728 هـ؛ فخرجت دمشقُ كلُّها في جنازته! له عشرات التصانيف النافعة؛ منها: «منهاج السنة النبوية» ، و «درء تعارض العقل والنقل» ، و «الصارم المسلول» ، وغيرها كثير. انظر: ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، ط 1، (الجيزة: هجر للطباعة والنشر، 1417 هـ-1997 م) ، 18/ 295، وابن العماد، شذرات الذهب، مرجع سابق، 6/ 80، والزركلي، الأعلام، مرجع سابق، 1/ 144.
(3) الصنعاني، منحة الغفَّار، مرجع سابق، 1/ 129 - 130.