المسألة الثالثة
حكم زبل غير الآدمي وغير المأكول
يرى الإمام الصنعاني طهارة زبل غير الآدمي وغير المأكول.
قال - رحمه الله -، معلِّقًا على قول العلاَّمة الحسن الجلال صاحب «ضوء النهار» :"وأما غير الآدمي وغير ما يؤكَل لحمه؛ فنجس أيضًا، وقال داود وأتباعه: ليس بنجس، وبه تعرف قوَّة كلام داود، وأنَّه باقٍ على الأصل، ولم يقم دليل على رفعه" [1] .
قلتُ: قول الصنعاني بطهارة غير مأكول اللحم يوافق قول أبي موسى الأشعري - من طبقة فقهاء الصحابة -؛ فقد ترجم البخاري في «صحيحه» :"باب: أَبْوَالِ الإِبِلِ وَالدَّوَابِّ وَالْغَنَمِ وَمَرَابِضِهَا، وَصَلَّى أَبُو مُوسَى فِي دَارِ الْبَرِيدِ وَالسِّرْقِينِ وَالْبَرِّيَّةُ إِلَى جَنْبِهِ؛ فَقَالَ: «هَا هُنَا وَثَمَّ سَوَاءٌ» " [2] .
(1) الصنعاني، منحة الغفَّار، مرجع سابق، 1/ 84، 85.
(2) أثرٌ صحيح، أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، أبواب: الساجد، باب: الصلاة في مراح الدواب، برقم (1606) ، صحيح البخاري - تعليقًا -، كتاب: الوضوء، باب: أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابطها، 1/ 335.
وقال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» ، مرجع سابق، (1/ 336) :"هذَا الأَثَر وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ شَيْخ الْبُخَارِيّ فِي كِتَابِ «الصَّلاةِ» لَهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ مَالِك بْن الْحَارِث - هُوَ السُّلَمِيُّ الْكُوفِيُّ -، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَلَّى بِنَا أَبُو مُوسَى فِي دَارِ الْبَرِيدِ، وَهُنَاكَ سِرْقِين الدَّوَابّ وَالْبَرِّيَّة عَلَى الْبَابِ؛ فَقَالُوا: لَوْ صَلَّيْت عَلَى الْبَابِ ... فَذَكَرَهُ. وَالسِّرْقِينُ - بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَان الرَّاء - هُوَ: الزِّبْلُ، وَحَكَى فِيهِ ابْنُ سِيدَهْ فَتْح أَوَّلِهِ، وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَيُقَالُ لَهُ: السِّرْجِينُ - بِالْجِيمِ -، وَهُوَ فِي الأَصْلِ حَرْفٌ بَيْنَ الْقَافِ وَالْجِيمِ يَقْرُبُ مِنْ الْكَافِ، وَالْبَرِّيَّةِ: الصَّحْرَاء مَنْسُوبَة إِلَى الْبَرِّ، وَدَار الْبَرِيدِ الْمَذْكُورَة: مَوْضِع بِالْكُوفَةِ، كَانَتْ الرُّسُلُ تَنْزِلُ فِيهِ إِذَا حَضَرَتْ مِنْ الْخُلَفَاءِ إِلَى الأُمَرَاءِ، وَكَانَ أَبُو مُوسَى أَمِيرًا عَلَى الْكُوفَةِ فِي زَمَنِ عُمَرَ وَفِي زَمَنِ عُثْمَان، وَكَانَتْ الدَّارُ فِي طَرَفِ الْبَلَدِ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ الْبَرِّيَّة إِلَى جَنْبِهَا. وَقَالَ الْمُطَرِّزِيُّ: الْبَرِيدُ فِي الأَصْلِ: الدَّابَّة الْمُرَتَّبَة فِي الرِّبَاطِ، ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ الرَّسُول الْمَحْمُول عَلَيْهَا، ثُمَّ سُمِّيَتْ بِهِ الْمَسَافَة الْمَشْهُورَة".