بين فعلها وقولها هذا: أنَّه يُجزئ هذا وذاك، ويُخالِف أيضًا رأيَ ابن عمر [1] ؛ فقد كان يرى الاقتصار على مسح بعض الرأس.
أما قول الإمام ابن حزم - رحمه الله:"ولا يُعرَف عن أحد من الصحابة خلاف لِمَا رويناه عن ابن عمر في ذلك" [2] ؛ فأقول: إن كان قصدُ الإمام ابن حزم عدمَ الإنكار فصحيحٌ، وإن قصدَ أنَّه لم يثبت تعميم المسح عن أحدٍ من الصحابة؛ ففي قوله نظرٌ؛ فقد نُقِلَ هذا عن عائشة - كما تقدَّمَ -.
وأما سبب الخلاف في هذه المسألة: فهو عائد إلى الاشتراك في حرف (الباء) : هل هو للإلصاق أم للتبعيض؟ فمَن قال: إنَّه للإلصاق؛ قال بوجوب التعميم، ومَن قال: إنَّه للتبعيض؛ قال بإجزاء الاجتزاء. وكذا الاختلاف في فَهم الأدلَّة من قولٍ وفعلٍ نبوي.
ومَن قال بكمال التعميم وإجزاء الاجتزاء؛ جمعَ بين القولَين.
فمَن قال بوجوب التعميم في المسح استدلَّ بما يلي:
1 -قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [3] ؛ قالوا: هذا يتناول جميع الرأس، وهذه الآية {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} كقوله تعالى فِي التَّيَمُّمِ: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [4] ، والوجه يجب استيعابه في التيمُّم؛ فكذلك الرأس هنا.
قال ابن عبد البرّ - رحمه الله:"اختلف الفقهاء فيمَن مسحَ بعض الرأس؛ فقال مالك: الفرض مسح جميع الرأس، وإن تركَ شيئًا منه كان كمَن تركَ غسل شيء من"
(1) أثرٌ صحيح، أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، باب مسح الرأس كم هو مرة، برقم 154، مرجع سابق، 1/ 24، والطحاوي في شرح معاني الآثار، باب فرض مسح الرأس في ا لوضوء، برقم 34، وابن المنذر، الأوسط، باب ذكر عدد مسح الرأس، برقم 390، وابن حزم، المحلَّى، مرجع سابق، 1/ 298، قال الحافظ ابن حجر في الفتح، مرجع سابق، (1/ 351) :"وصَحَّ عن ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الرأس".
(2) ابن حزم، المحلَّى، مرجع سابق، 2/ 74.
(3) سورة المائدة، الآية: 6.
(4) سورة المائدة، الآية: 6.