وقال أيضًا:"والأقرب عندي: أنَّ قراءة الجرِّ عطف على الممسوح، وقراءة النصب عطف على المغسول، وبيَّنت السُّنَّة أنَّ وقت المسح هو إذا كان على الخُفِّ، ووقت الغسل فيما عدَاه، وحينئذٍ؛ يُستفاد المسح على الخُفِّ من القرآن أيضًا، ويتمُّ العمل بالقراءتَين من غير تعارُض ولا عطف على محلٍّ ولاجوار" [1] .
ويعود الخلاف في هذه المسألة إلى هذه الأقوال الثلاثة - التي حكاها الصنعاني هنا:
القول الأول: أنَّ فرض الرِّجلَين الغسل. وهذا مذهب الجمهور [2] ، وهو الذي اختاره الصنعاني، وهو يوافق قول: ابن مسعود [3] ، وعائشة [4] ، وابن عمر [5] - رضي الله عنهم أجمعين -.
واستدلَّ الجمهور بالأدلة الآتية:
1 -قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [6] .
ومحلّ الشاهد: أنَّ (أرجلكم) معطوفة على (وجوهكم) ، والعامل فيها الفِعل في قوله: (فاغسلوا) .
2 -الأحاديثة الكثيرة المستفيضة التي وردَت في غسل الرِّجلَين؛ وهي أحاديث ثابتة في «الصحيحَين» وغيرهما؛ ومنها:
(1) حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّه كَانَ يَمُرُّ وَالنَّاسُ يَتَوَضَّئُونَ مِنْ الْمِطْهَرَةِ؛ فيقول: أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ؛ إِنَّ أَبَا الْقَاسِمِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ» [7] .
(1) الصنعاني، منحة الغفَّار، مرجع سابق، 1/ 205.
(2) الجصَّاص، أحكام القرآن، مرجع سابق، 2/ 487، ابن قدامة، المغني، مرجع سابق، 1/ 184، النووي، المجموع، مرجع سابق، 1/ 417، الكاساني، بدائع الصنائع، مرجع سابق، 1/ 5.
(3) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، باب غسل الرجلين، برقم 59، مرجع سابق، 1/ 20.
(4) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، باب غسل الرجلين، برقم 69، المرجع السابق، 1/ 23.
(5) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، باب غسل الرجلين، برقم 73، 1/ 24.
(6) سورة المائدة، الآية: 6.
(7) حديث صحيح، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: الوضوء، باب: غسل الرِّجلين ولا يمسح على القدمين، برقم (161) , ومسلم في صحيحه، كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل الرِّجلين بكمالهما، برقم (242) , والترمذي في جامعه، أبواب الطهارة، باب: ما جاء «ويل للأعقاب من النار» ، برقم (41) ، والنسائي في سننه، كتاب: الطهارة، باب: إيجاب غسل الرِّجلين، برقم (110) ، والدارمي في سننه، كتاب: الطهارة، باب: ويل للأعقاب من النار، برقم (707) ، وأحمد في مسنده (2/ 430) .