فإنَّ في كونه خافَ الهلاك وقتلَ نفسِه إنَّما هو تجويزٌ منه؛ فيُلحَق به خوف الضرر المتحقِّق.
فإن قلتَ: إنَّه أقرَّه صلى الله عليه وآله وسلم؛ فهو الدليل لِمَا نحن فيه ...
هذا و «حديث صاحب الشجَّة» [1] دليلٌ على أنَّ مِن أسباب التيمُّم: عدم عموم البدن بالغسل عند وجوبه للعذر.
ثم إنَّ حديثه استدلَّ به الفقهاء على العدول لخشية التلف، وكلام الشارح [الجلال] في خشية الضرر، وهو أعمُّ، وليس دليلُ الأخصِّ دليلًا للأعمّ.
ودليلهم على الضرر: آية {وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى} [2] ، إلاَّ أنَّها تكفَّلت بخشية التلف أيضًا؛ لتعليقه الإباحة بالمرض - خُشِيَ معه تلف أو ضرر أو لا -؛ كما قال الثلاثة في الثالث، إلاَّ أن أهل المذهب يستدلُّون بها على الأمرَين، ورَدُّوا الثالث.
قال ابن بهران [3] : لأنَّه معارَض بحديث: «لا يقبل الله صلاة مَن أحدَثَ حتى يتوضَّأ» [4] ، أخرجه السِّتَّة. ولا يخفى أنَّه لا يعارِض الآية، وأنَّ ظاهره مع الثلاثة"اهـ [5] ."
(1) سبق تخريجه في الصفحة السابقة هامش رقم 3.
(2) سورة النساء، الآية: 43.
(3) هو: سراج الدِّين، محمد بن يحيى بن محمد بن أحمد بهران، التميمي النسب، البصري الأصل، الصعدي المولد والوفاة، الفقيه الزيديّ، له: «شرح الأثمار» لشرف الدين في الفقه، و «التكميل الشاف لتفسير الكشاف» ، و «المعتمد» في الحديث، وغيرها. تُوفِّي سنة 957 هـ. انظر: الشوكاني، البدر الطالع، مرجع سابق، 2/ 278، والزركلي، الأعلام، مرجع سابق، 7/ 139.
(4) حديث صحيح، أخرجه البخاري في صحيحه، باب في الصلاة، برقم 6954، ومسلم في صحيحه، باب وجوب الطهارة في الصلاة، برقم 225، وأبو داود، باب فرض الوضوء، برقم 60، والترمذي في جامعه، باب ما جاء في الوضوء من الريح، برقم 76. وأخرجه النسائي في سننه، باب فرض الوضوء، برقم 139، وابن ماجة، باب لا يقبل الله صلاة بغير طهور، برقم 274، و لكنَّ النسائيَّ وابنَماجة أخرجاه بلفظ:" «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ» ."
(5) الصنعاني، منحة الغفَّار، مرجع سابق، 1/ 292.