قلتُ: ورأي الصنعاني هذا يتوافق مع قول: علي، وابن مسعود، وعائشة [1] ، وابن عبَّاس [2] - من طبقة فقهاء الصحابة (رضي الله عنهم) -.
وهو قول جمهور أهل العلم. ودليلهم - كما قال النووي:"أَنَّ الأَصْل: عَدَم الْوُجُوب؛ فَلا يَجِب إلاَّ مَا وَرَدَ الشَّرْع بِإِيجَابِهِ، وَلَمْ يَصِحّ عَنْ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ أَمَرَهَا بِالْغُسْلِ إلاَّ مَرَّة وَاحِدَة عِنْد اِنْقِطَاع حَيْضهَا؛ وَهُوَ قَوْله - صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَة فَدَعِي الصَّلاة، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي» ، وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَقْتَضِي تَكْرَار الْغُسْل."
وَأَمَّا الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي «سُنَن أَبِي دَاوُدَ [3] » وَ «الْبَيْهَقِيّ [4] » وَغَيْرهمَا، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أَمَرَهَا بِالْغُسْلِ؛ فَلَيْسَ فِيهَا شَيْء ثَابِت، وَقَدْ بَيَّنَ الْبَيْهَقِيُّ وَمَنْ قَبْله ضَعْفهَا" [5] ."
-اختيار الباحث:
أوافق الصنعانيَّ - رحمه الله - فيما ذهبَ إليه، من أنَّ المرأة المُستحاضة لا يجب عليها الغُسل لكلِّ صلاة؛ وإنَّما يجب عليها الوضوء لكلِّ صلاة؛ لأنَّ القول بوجوب الغُسل يحتاج إلى دليلٍ صحيحٍ صريحٍ، ولا دليل هنا، وكلُّ الأحاديث التي تُذكَر في هذه المسألة ليس فيها شيءٌ ثابت؛ كما نصَّ على ذلك البيهقيُّ وغيرُه، ولذا قال بهذا القول جمهور أهل العلم بما فيهم الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبوعة اليوم، قال العلامة عبد الرحمن بن قاسم النجدي [6] :"وليس بواجب عند أحد من الأئمة الأربعة ولا"
(1) أخرجه عبد الزراق مصنفه، باب المستحاضة، 1/ 304.
(2) النووي، شرح صحيح مسلم، مرجع سابق، 4/ 19.
(3) حديث صحيح، أخرجه أبو داود في سننه، باب من روى أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة، 1/ 77، برقم 288، وصححه الألباني في صحيح أبي داود 2/ 54.
(4) حديثٌ صحيح، أخرجه البيهقي في الكبرى، باب غسل المستحاضة، 1/ 513
(5) النووي، شرح مسلم، المرجع السابق، 4/ 19، 20.
(6) هو: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي القحطاني نسبا، أبو عبد الله: فقيه حنبلي من أعيانهم في نجد. ولد بقرية (البير) من قرى المحمل قرب الرياض. وأولع في أوليته بالتأريخ والأنساب والجغرافية ووقعت له قضية بسبب التاريخ، فأحرق كثيرا من أوراقه. وصنف (إحكام الأحكام -ط) أربعة مجلدات كبار شرح بها مختصرا له اسمه (أصول الأحكام - ط) في الأحاديث المتعلقة بالأحكام، وله (السيف المسلول على عابد الرسول - ط) وجمع (فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية - ط) في 30 مجلدا، سافر من أجل البحث عنها إلى بلاد كثيرة. وله (الدررالسنية في الأجوبة النجدية - ط) فتاوى ورسائل لعلماء نجد، و (تراجم أصحاب تلك الرسائل - ط) في 104 صفحات. وكان قد عمل في مطبعة الحكومة بمكة ثم تولى إدارة المكتبة السعودية في الرياض. واعتزل العمل في مزرعة له قرب العمارية وتوفي متأثرا من حادث سيارة سابق وقع له سنة 1349 هـ. انظر الزركلي 3/ 336.