وقد حصل الإجماع من الصحابة - رضوان الله عليهم - في وقائع كثيرة، وأخذوا به؛ ممَّا يدلُّ على أنَّهم يأخذون بالإجماع، ويعتبرونه مصدرًا من مصادرهم؛ ومن ذلك:
إجماعهم على خِلافة أبي بكر - رضي الله عنه - وصِحَّتها.
وإجماعهم على قتال مانعي الزكاة.
وإجماعهم على أن تأخذ الجَدَّة السُّدس في الميراث - تنفرد به إن كانت واحدةً، ويشتركنَ فيه إن كُنَّ أكثر من واحدة -.
وكذلك إجماعهم على جمع القرآن وعلى نسخه في مصاحف [1] .
-الأصل الرابع: الرأي والاجتهاد:
اجتهد الأصحاب - رضي الله عنهم - في استنباط الأحكام الشرعيَّة لمسائل كثيرة، وذلك إذا لم يجدوا نصًّا من كتاب ولا من سُنَّة؛ فكانوا يعمدون إلى الاجتهاد والرأي، وقد أقرَّهم رسول - صلى الله عليه وسلم - على ذلك:
فقد رُويَ أنَّه لمَّا بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذًا إلى اليمن؛ قال له: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟» ؛ قال: أقضي بكتاب الله. قال: «فإن لم تجد؟» ؛ قال: «بسُنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» . قال: «فإن لم تجد؟» ؛ قال: أجتهد رأي ولا آلو؛ فضربَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - على صدره وقال: «الحمد لله الذي وفَّق رسولَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لِمَا يُرضِي رسولَ الله» [2] .
(1) انظر ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين، مرجع سابق، 2/ 53 وما بعدها.
(2) إسناده ضعيف، أخرجه أبو داود في سننه، كتاب: الأقضية، باب: اجتهاد الرأي في القضاء، رقم (3592) ، وأحمد بن حنبل في مسنده،، 5/ 230، رقم (22060) ، وضعَّفه الشيخ شعيب الأرناؤوط؛ قال:"إسناده ضعيف؛ لإبهام أصحاب معاذ وجهالة الحارث بن عمرو"؛ انظر: مسند الإمام أحمد بن حنبل، مرجع سابق، 36/ 333.، ولكن وإن كان من حيث الاسناد لا يصح إلا أنه يعتبر مما تقبله العلماء واحتجوا به، قال الخطيب في"الفقيه والمتفقه"1/ 189 - 190: إن أهل العلم قد تقبلوه واحتجوا به، فوقفنا بذلك على صحته عندهم كما وقفنا على صحة قول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لا وصية لوارث"، وقوله في البحر:"هو الطهور ماؤه، الحل ميتته"وقوله:"إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعةُ قائمة، تحالفا وترادا البيع"، وقوله:"الدية على العاقلة"، وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد، لكن لما تلقتها الكافة عن الكافة غَنُوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها، فكذلك حديث معاذ لما احتجوا به جميعًا غَنُوا عن طلب الإسناد له، وقال ابن القيم في"إعلام الموقعين"1/ 202: فهذا حديث وإن كان عن غير مُسَمَّيْنَ، فهم أصحاب معاذ، فلا يضره ذلك، لأنه يدل على شهرة الحديث وأن الذي حدث به الحارث بن عمرو، جماعة من أصحاب معاذ، لا واحد منهم منهم، وهذا أبلغ في الشهرة من أن يكون عن واحد منهم لو سمي"أ ه."