وقال ابن عبدالبر:"وَمِن حقِّ الكلامِ أَنْ يُحمَلَ على حقِيقَتِهِ, حتَّى تَتَّفِقَ الأمةُ أنه أُرِيدَ به المجاز؛ إذ لا سَبيلَ إلى اتبَاعِ ما أُنزِلَ إلينا مِن رَبِّنا إلا على ذلك, وإنما يُوَجَّهُ كلامُ اللهِ سبحانه إلى الأشهَرِ والأظهَرِ مِن وُجُوهِهِ, ما لم يمنَعْ مِن ذلك ما يجب له التسلِيمُ."
ولو سَاغَ ادِّعَاءُ المجازِ لِكُلِّ مُدَّعٍ, ما ثَبَتَ شيءٌ من العبارات, وجَلَّ اللهُ عن أَنْ يخاطِبَ إلا بما تفهَمُهُ العرَبُ في معهُودِ مخاطباتها, مما يَصِحُّ معناه عند السامعين" [1] "
جاءت نصوص منطوقها يفيد معنى معينا لكن السياق غيرها إلى معنى آخر من ذلك:
1 -قوله تعالى: {واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ} [2] فمنطوق النص يأمر بسؤال القرية وهي مجموعة البنيان لكن السياق يحدد معنى آخر ألا وهو سؤال أهلها"فابتدأ - جل ثناؤه - ذكر الأمر بمسألتهم عن القرية الحاضرة البحر، فلما قال: {إذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ الآية} ، دل على أنه إنما أراد أهل القرية؛ لأن القرية لا تكون عادية، ولا فاسقة بالعدوان في السبت ولا غيره، وأنه إنما أراد بالعدوان أهل القرية الذين بلاهم بما كانوا يفسقون. وقال: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ} [3] . وهذه الآية في مثل معنى الآية قبلها، فذكر قصم القرية، فلما ذكر"
(1) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبدالبر 7/ 131. م: مصطفى بن أحمد العلوي , محمد عبد الكبير البكري- ن: وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب- ط: عام النشر: 1387 هـ.
(2) {الأعراف/163}
(3) {الأنبياء/11، 12}