لم يكن فيها قتال ومغازيه بضع عشرة غزوة وقد استخلف فيها كلها إلا القليل وقد استخلف في حجة الوداع وعمرتين قبل غزوة تبوك
وفي كل مرة يكون بالمدينة أفضل ممن بقي في غزوة تبوك فكان كل استخلاف قبل هذه يكون علي أفضل ممن استخلف عليه عليا فلهذا خرج إليه علي رضي الله عنه يبكي وقال أتخلفني مع النساء والصبيان؟
وقيل: إن بعض المنافقين طعن فيه وقال إنما خلفه لأنه يبغضه فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أني إنما استخلفتك لأمانتك عندي وأن الاستخلاف ليس بنقص ولا غض فإن موسى استخلف هارون على قومه فكيف يكون نقصا وموسى يفعله بهارون فطيب بذلك قلب علي وبين أن جنس الاستخلاف يقتضي كرامة المستخلف وأمانته لا يقتضي إهانته ولا تخوينه وذلك لأن المستخلف يغيب عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد خرج معه جميع الصحابة.
والملوك وغيرهم إذا خرجوا في مغازيهم أخذوا معهم من يعظم انتفاعهم به ومعاونته لهم ويحتاجون إلى مشاورته والانتفاع برأيه ولسانه ويده وسيفه والمتخلف إذا لم يكن له في المدينة سياسة كثيرة لا يحتاج إلى هذا كله فظن من ظن أن هذا غضاضة من علي ونقص منه وخفض من منزلته حيث لم يأخذه معه في المواضع المهمة التي تحتاج إلى سعي واجتهاد بل تركه في المواضع التي لا تحتاج إلى كثير سعي واجتهاد
فكان قول النبي صلى الله عليه وسلم مبينا أن جنس الاستخلاف ليس نقصا ولا غضا إذ لو كان نقصا أو غضا لما فعله موسى بهارون ولم يكن هذا الاستخلاف كاستخلاف هارون لأن العسكر كان مع هارون وإنما ذهب موسى وحده.