إن المتأمل في كل فن يجد أن تدوينه وإيضاح معالمه يأتي مسبوقا بفكرة في قلوب المنشئين والعارفين بهذا الفن ولما كانت الدلالة السياقية لها تعلق بعلم أصول الفقه وهذا العلم أحد إمداداته علم العربية كان الكلام عن تاريخ الدلالة السياقية يصاحب الكلام عن نشأة أصول الفقه نشأة وضعية تقنينية أما الكلام عن الدلالة السياقية من حيث الوجود الذهني فهذا نشأ مع وجود الشريعة بل مع وجود اللغة التي استقيت دلالة السياق منها إلا ما كان من ذلك خاصا بالشريعة لذا فقد نشأت دلالة السياق بمعناها الشرعي المنضبط مع وجود الشريعة وإنما وضع التقنين للفنون بعد ذلك لما بدا يتكلم فيها من لا يضبطها قال ابن خلدون في أصول الفقه:"اعلم أن هذا الفن من الفنون المستحدثة في الملة، وكان السلف في غنية عنه، بما أن استفادة المعاني من الألفاظ لا يحتاج فيها إلى أزيد مما عندهم من الملكة اللسانية، وأما القوانين التي يحتاج إليها في استفادة الأحكام فمنهم أُخذ معظمها" [1]
وهذه أهم المراحل التي مرت بها الدلالة السياقية:
أ. مرحلة النشأة:
لا شك أن نشأة علم السياق بدأت مع نشأة علم اللغة الذي يشتمل علي علم السياق لكن نشأته بالمعني الشرعي الذي حدد وضبط نشأ مع نزول الشريعة وقد اتضح ذلك من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحياة أصحابه لذا رأينا ابن الزبعرى يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن عباس قال:"جاء عبد الله بن الزبعري إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تزعم أن الله أنزل عليك هذه الآية: إِنَّكُمْ"
(1) مقدمة ابن خلدون ص 454.ن: المكتبة الشاملة.