والأوقات والنوازل، وهذا معلوم في علم المعاني والبيان، والذي يكون على بال كل من المستمع والمتفهم الالتفات إلى أول الكلام وآخره بحسب القضية، وما اقتضاه الحال فيها، ولا ينظر في أولها دون آخرها، ولا في آخرها دون أولها.
فإن القضية وإن اشتملت على جمل بعضها متعلق ببعض؛ لأنها قضية واحدة نازلة في شيء واحد، فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله، وأوله على آخره؛ وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلف، فإن فرق النظر في أجزائه فلا يتوصل به إلى مراده، فلا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض؛ إلا في موطن واحد وهو النظر في فهم الظاهر بحسب اللسان وما يقتضيه، لا بحسب مقصود المتكلم. فإذا صح له الظاهر على العربية، رجع إلى نفس الكلام فعما قريب يبدو له منه المعنى المراد، فعليه التعبد به، وقد يعينه على هذا القصد النظر في أسباب التتريل، فإنها تبين كثيرا من المواضع التي يختلف في مغزاها النظر" [1] "
وما تقدم من كلام الشاطبي يبرهن على أصالة تقسيم دلالة السياق إلى سياق لغوي وسياق مقامي، وأن للأصوليين السبق في تحديد هذين القسمين، وإثرائهما بالتطبيقات، مما أسهم في التكامل الدلالي بين النصوص، قبل أن ينتهي الدرس اللغوي المعاصر إلى هذه النتيجة. ويقرر الطوفي [2] أن العرب كما تبني كلامها على سياق النظم اللفظي، فكذلك تبنيه على سياق النظم المعنوي
(1) الموافقات للشاطبي 3/ 313، 314.
(2) (657 - 716 هـ = 1259 - 1316 م) ، سليمان بن عبد القوي بن الكريم الطوفي الصرصري، أبو الربيع، نجم الدين: فقيه حنبلي، من العلماء. من تصانيفه: بغية السائل في أمهات المسائل، الرياض النواضر في الأشباه والنظائر، الذريعة إلى معرفة أسرار الشريعة.3/ 127، 128.