فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 249

وهكذا يتضح أثر دلالة السياق عند الغزالي، كما كان ذلك واضحا عند سلفه الجويني.

وقد سار الأصوليون من بعدهم على هذا النهج في ممارسة عملية لأقسام السياق، فنجد أن ابن تيمية من أبرز الأصوليين استشعارا لقسمي السياق، ونلحظ هذا في مواطن كثيرة من كلامه. ومن ذلك حديثه عن المراد بلفظ (الرسول (، فهو من الألفاظ المتواطئة التي قد تأتي ويراد بها المعنى العام، وقد تأتي ويراد بها المعنى الخاص، وذلك عندما تجيء مضافة أو معرفة باللام، ففي قوله تعالى {ِ إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا} [1] ، وفي قوله تعالى {لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا} [2] ، فقد جاء لفظ(الرسول) في الموضعين مقرونا باللام، لكن المراد يختلف بحسب دلالة السياق، وهذا ما قرره ابن تيمية، فقد اعتمد على السياق المقالي في تحديد المراد بالرسول في الموضع الأول، وهو أن اللام - وهي القرينة اللفظية المتصلة بالسياق - جاءت لتعريف رسول فرعون، وهو موسى -عليه السلام - بينما نجد ابن تيمية يعتمد على السياق المقامي، في تحديد المراد بالرسول في الموضع الآخر، وهو أن الخطاب كان متوجها إلى أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وهي قرينة حالية متصلة بالخطاب.

وبهذا أفاد ابن تيمية من قسمي السياق في تحديد المراد في الآيتين الكريمتين وذلك يؤكد حضور هذين القسمين في ذهن ابن تيمية وتداخلهما في فكره اللغوي، كما يقرر ذلك الدكتور إبراهيم التركي

وقريب من هذا استعمال العلامة الشاطبي للفظ (المساق) ، الذي يعني به السياق بقسميه: الكلامي والمقامي، إذ يقول:"المساقات تختلف باختلاف الأحوال"

(1) {المزمل/15}

(2) {النور/63}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت