هو القرآن -مثلا- أو ما أنزله من الكتب، فإن الذكر مصدر، والمصدر تارة يضاف إلى الفاعل، وتارة إلى المفعول، فإذا قيل ذكر الله بالمعنى الثاني، كان ما يذكر به، مثل قول العبد: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
وإذا قيل بالمعنى الأول، كان ما يذكره هو؛ وهو كلامه، وهذا هو المراد في قوله {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي} [1] ، لأنه قال قبل ذلك {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [2] ، وهذا هو ما أنزله من الذكر. وقال بعد ذلك {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا} [3]
فابن تيمية راعى السباق واللحاق في بيان المراد بلفظ"الذكر"والأصوليون يعنون بالقرائن السياقية -مقالية كانت أو حالية- وسواء كانت سابقة أم لاحقة، فنظرتهم شاملة لمقتضيات السياق ومن الحيف أن نحجر واسعا فندعي أن السياق مقصور على سياق النص دون سياق الموقف، أو نقصر السباق واللحاق على السياق اللغوي دون السياق المقامي، أو نلغي مسمى اللحاق، ونجعل السباق مقابلا لمعنى السياق.
فالذي يظهر -والله أعلم- أن لكل سياق مقالي، أوحالي سباقا ولحاقا، لأنه وكما تقدم في المدلول اللغوي لكل من السباق واللحاق، فإن ارتباط كل منهما بالكلام لا يلزم أن يكون حسيا بل قد يكون حسيا، وقد يكون معنويا، وهذا يعطي هذين المصطلحين بعدا دلاليا واسعا لا يضيق ذرعا بكافة القرائن اللفظية، وغير اللفظية.
ولعل اهتمام الأصوليين بالقرائن الحالية السابقة، كأسباب الترول للآيات، أو أسباب الورود للأحاديث، أو القرائن الحالية اللاحقة، كتصرفاته - صلى الله عليه
(1) {طه/124}
(2) {طه/123}
(3) {طه/125،126}