فيعتل عليه بالشيخوخة، فلما يئس منه الصاحب، احتال في جذب السلطان إلى ذلك الصوب، وكتب إليه حين قرب من عسكر مكرم كتابًا يتضمن علومًا نظمًا ونثرًا، ومما ضمنه من المنظوم قوله:
ولما أبيتم أن تزوروا وقلتم ... ضعفنا ولم نقدر على الوخدان
أتيناكم من بعد أرض نزوركم ... على منزل بكر لنا وعوان
نسائلكم هل من قرى لنزيلكم ... بملء جفون لا بملء دفان
فلما قرأ أبو أحمد الكتاب، أقعد تلميذًا له، فأملى عليه الجواب عن النثر نثرًا، وعن النظم نظمًا، وبعث به إليه في الحال وكان في آخر جواب أبيانته التي ذكرها على الحال:
وقد حيل بين العير والنزوان
وهو تضمين، إلا أن الصاحب استحسنه، ووقع منه موقعًا عظيمًا، وقال: لو عرفت أن هذا المصراع يقع في هذه القافية لم أتعرض لها، وكنت قد ذهلت عنه وذهب علي. ثم إن أبا أحمد قصده وقت حلوله بعسكر مكرم بلده، ومعه أعيان أصحابه وتلامذته في ساعة لا يمكن الوصول إليه إلا لمثله، وأقبل عليه بالكلية بعد ان أقعده في أرفع موضع من مجلسه، فتفاوضا في مسائل، فزادت منزلته عنده، وأخذ أبو أحمد بالحظ الأوفر منه، وادر على المتصلين به إرادًا كانوا يأخذونه إلى أن توفي، وبعد وفاته أيضًا، وأبيات العسكري هي:
أروم نهوضًا ثم يثني عزيمتي ... تعوذ أعضائي من الرجفان
فضمنت بيت ابن الشريد كأنما تعمد تشبيهي به وعناني
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه .. البيت.
قال ثم نهض، وقال: لابد من الحمل على النفس، فإن الصاحب لا يقنعه هذا، فركب بغلة وقصده، فلم يتمكن من الوصول إلى الصاحب لا ستيلاء الحشم، فصعد تلعة، ورفع صوته بقول أبي تمام: