أحيانا الأب وضع نظام الابن ما طبقه، فاستحق عقوبته، لكن الأب الأكمل يمنع ابنه من عمل يستوجب عقوبته، أو الطبيب الناجح يمنع مريض من أكلة تستوجب عملًا جراحيًا ما أوصله إلى هذا، يعني إذا عصم الله عباده عن عمل يوجب لهم عقابًا رحمة بهم فهذا أعلى درجة من الرحمة، أي حال الله بينه وبين معصية تستوجب عقابًا.
قال بعض العارفين بالله: ربما أعطاك فمنعك وربما منعك فأعطاك، وإذا كشف لك الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء.
فالمؤمن ينظر بنور الله، هذه النعمة أحيانًا سبب هلاك الإنسان يحجبها عنه:
{وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ}
(سورة الشورى)
إذًا ربما أعطاك فمنعك وربما منعك فأعطاك، يعني أحيانًا الدنيا العريضة يمكن أن تكون حجابًا بين العبد ربه، وأحيانًا بعض ألوان الشدة يمكن أن تسوق العباد إلى باب ربهم فيسعدوا بقربه، وما خلق الله الإنسان ضعيفًا إلا ليفتقر بضعفه فيسعد بافتقاره، ولو خلقه قوياُ لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه.
رأفة الله عز وجل بالعباد تقتضي أن يؤدبهم إذا اتجهوا إلى غيره:
الآن من رأفة الله بنا أنك إذا توجهت إلى غيره، واعتمدت على غيره، ووضعت الأمل بغيره، يؤدبك حتى تبقى معه، حتى تبقى موحدًا له، حتى تبقى مقبلًا عليه، حتى تبقى واثقًا به، حتى تبقى متوكلًا عليه، فأحيانًا يأتي التأديب من الشرك الخفي، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي، أما إني لست أقول أنكم تعبدون صنمًا ولا حجرًا، ولكن شهوة خفية، وأعمال لغير الله ) )
[ورد في الأثر]
أيها الإخوة، النبي عليه الصلاة والسلام أمره الله أن يقول:
{قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا}
(سورة الأعراف الآية: 188)