حَكِيمٍ عَنْ زُفَرَ بْنِ الْهُذَيْلِ: إنَّمَا نَاخُذُ بِالرَّايِ مَا لَمْ نَجِدْ الْأَثَرَ , فَإِذَا جَاءَ الْأَثَرُ تَرَكْنَا الرَّايَ , وَأَخَذْنَا بِالْأَثَرِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ الْمُلَقَّبُ بِإِمَامِ الْأَئِمَّةِ: لَا قَوْلَ لِأَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا صَحَّ الْخَبَرُ عَنْهُ , وَقَدْ كَانَ إمَامُ الْأَئِمَّةِ ابْنُ خُزَيْمَةَ رحمه الله تعالى لَهُ أَصْحَابٌ يَنْتَحِلُونَ مَذْهَبَهُ , وَلَمْ يَكُنْ مُقَلِّدًا , بَلْ إمَامًا مُسْتَقِلًّا كَمَا ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ فِي مَدْخَلِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَنْبَرِيِّ , قَالَ: طَبَقَاتُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ خَمْسَةٌ: الْمَالِكِيَّةُ , وَالشَّافِعِيَّةُ , وَالْحَنْبَلِيَّةُ , وَالرَّاهَوِيَّةُ , وَالْخُزَيْمِيَّةُ أَصْحَابُ ابْنِ خُزَيْمَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا حَدَّثَ الثِّقَةُ عَنْ الثِّقَةِ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَهُوَ ثَابِتٌ , وَلَا يُتْرَكُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثٌ أَبَدًا , إلَّا حَدِيثٌ وُجِدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم آخَرُ يُخَالِفُهُ. وَقَالَ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِهِ مَعَ مَالِكٍ: مَا كَانَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مَوْجُودَيْنِ فَالْعُذْرُ عَلَى مَنْ سَمِعَهُمَا مَقْطُوعٌ إلَّا بِإِتْيَانِهِمَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: قَالَ لِي قَائِلٌ: دُلَّنِي عَلَى أَنَّ عُمَرَ عَمِلَ شَيْئًا ثُمَّ صَارَ إلَى غَيْرِهِ لِخَبَرٍ نَبَوِيٍّ , قُلْت لَهُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: الدِّيَةُ لِلْعَاقِلَةِ , وَلَا تَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا , حَتَّى أَخْبَرَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَتَبَ إلَيْهِ أَنْ يُوَرِّثَ امْرَأَةَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَتِهِ} فَرَجَعَ إلَيْهِ عُمَرُ , وَأَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو وَابْنُ طَاوُسٍ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: أُذَكِّرُ اللَّهَ امْرَأً سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْجَنِينِ شَيْئًا , فَقَامَ {حَمَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ فَقَالَ: كُنْت بَيْنَ جَارِيَتَيْنِ لِي , فَضَرَبَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِمُسَطَّحٍ , فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا , فَقَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِغُرَّةٍ} , فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ لَمْ نَسْمَعْ فِيهِ هَذَا لَقَضَيْنَا فِيهِ بِغَيْرِ هَذَا , أَوْ قَالَ: إنْ كِدْنَا لِنَقْضِيَ فِيهِ بِرَايِنَا , فَتَرَكَ اجْتِهَادَهُ رضي الله عنه لِلنَّصِّ.
وقال الطبري: القول في تأويل قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ. [1]
يقول تعالى ذكره: ومن كتم حكم الله الذي أنزله في كتابه, وجعله حكما بين عباده فأخفاه, وحكم بغيره, كحكم اليهود في الزانيين المحصنين بالتجبيه والتحميم, وكتمانهم الرجم, وكقضائهم في بعض قتلاهم بدية كاملة وفي بعض بنصف الدية, وفي الأشراف بالقصاص وفي الأدنياء بالدية, وقد سوّى الله بين جميعهم في الحكم عليهم في التوراة فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ يقول: هؤلاء الذين لم يحكموا بما أنزل الله في كتابه, ولكن بدّلوا وغيروا حكمه وكتموا الحقّ الذي أنزله في كتابه. هُمُ الكَافِرُونَ يقول: هم الذين ستروا الحقّ الذي كان عليهم كشفه وتبيينه وغَطّوه عن الناس وأظهروا لهم غيره وقضوا به لسحت أخذوه منهم عليه.
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل الكفر في هذا الموضع. فقال بعضهم بنحو ما قلنا في ذلك, من أنه عنى به اليهود الذين حرّفوا كتاب الله وبدّلوا حكمه. ذكر من قال ذلك:
(1) - تفسير الطبري - (ج 10 / ص 345)