فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 678

لأحكام أهل الكفر على حكم الله سبحانه وتعالى، وهذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة على اختلافهم في تكفير القائل به والداعي إليه. ولو كان الأمر على ما ظنوا في خبر أبي مِجْلز، أنهم أرادوا مخالفة السلطان في حكم من أحكام الشريعة، فإنه لم يحدث في تاريخ الإسلام أن سنَّ حاكم حكمًا وجعله شريعة ملزمة للقضاء بها [1] ، هذه واحدة، وأخرى أن الحاكم الذي حكم في قضية بعينها بغير حكم الله فيها، فإنه إما أن يكون حكم بها وهو جاهل، فهذا أمره أمر الجاهل بالشريعة، وإما أن يكون حكم بها هوى ومعصية، فهذا ذنب تناله التوبة وتلحقه المغفرة) [2] .

وقال العلامة أبو قتادة حفظه الله في كتابه النفيس قمالات بين منهجين: قال ربّ العزّة: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} المائدة. [3]

ما رأيت من آية في هذا العصر اختلف النّاس حولها، كما اختلفوا في هذه الآية الكريمة، وكلّ فرقة من الفرق المعاصرة تبني على هذه الآية المفاهيم التي تريد، والتأويلات التي تحبّ، فقائل يقول: إنّ الحكم بغير ما أنزل الله هو كفر عمليّ، والكفر العمليّ عنده ليس له إلاّ معنى واحد وهو الكفر الأصغر، وبالتّالي فمن ترك حكم الله تعالى فهو عاص من العصاة، ولا يخرجه هذا الفعل إلاّ باعتقاد الرد لحكم الله تعلى، ويزعم صاحب هذا القول أنّ إخراج من ترك حكم الله تعالى من الإسلام هو مذهب الخوارج الذين يكفّرون بمطلق المعاصي والذّنوب.

وقائل يقول: إنّ هذه الآية ليست نازلة في المسلمين بل هي لليهود أو لغيرهم، فحملها على أهل الملّة المحمّديّة حمل على غير محملها، وآخر وآخر .. ، إلى غير هذه التأويلات المتضاربة والمختلفة، وحتّى تنجلي صورة هذه الآية في أذهان المسلمين فإنّني أقدّم لها بمقدّمات، عسى أن تقرّب المراد وتيسّره،

فأقول وبالله التّوفيق:

1 -الآية تتكلّم عن حكم من ترك الكتاب والسنّة، ولا تتكلّم عن حكم من حكم بغير الكتاب والسنّة، والتّفريق بينهما جدّ مهم، فلو أنّ القاضي عرضت له مسألة ليقضي فيها، فترك الحكم فيها مع علمه بحكم الله تعالى في النّازلة، فهو المعنيّ بهذه الآية، ولكنّ هذا القاضي لو حكم فيها بغير ما أنزل الله تعالى لكان جامعًا لأمرين: أولاهما: ترك الحكم بما أنزل الله، وثانيهما: الحكم بغير ما أنزل الله تعالى. وهما مناطان مختلفان، إذ أنّ الثّاني متضمّن للأوّل، بخلاف الأوّل فهو ليس متضمّن للثّاني.

2 -دلّت السنّة النّبويّة على وجود الكفر الأصغر، ولم يرد الكفر الأصغر في الكتاب العزيز، بل قال الإمام الشّاطبيّ: أنّ أحكام القرآن كلّها غائيّة، وأمّا السنّة ففيها الغائيّ والوسطيّ، فعلى هذا: لا يوجد في القرآن لفظ الكفر الذي يُحمل على الكفر الأصغر، نعم: ورد الكفر في القرآن على عدّة معان، ذكر

(1) - إلا بعد سقوط الدولة العثمانية واستعمار الكفار لديار الإسلام وبعد أن تخرج تلاميذ الكفار

(2) - عمدة التفسير لابن كثير لأحمد محمد شاكر ج4/ 156 - 157

(3) - مقالات بين منهجين - (ج 1 / ص 219) والجهاد والاجتهاد - (ج 1 / ص 130)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت