فهرس الكتاب
صفّين، ومعسكر عليّ ومعسكر معاوية رضي الله عنهما، فهؤلاء كفّروا القسم الثاني (الداخلين فيها دخولا جزئيا لا كليا) ،وهذا القسم الثاني هو الذي قال في حقه ابن عبّاس رضي الله عنهما: كفر دون كفر، وليس من قبيل حمل الآية على معنى واحد وهو الكفر الأصغر إذ أنّ ظاهر الآية كما تقدّم لا يمكن حمله إلاّ على الكفر الأكبر.
ب - طرف التّفريط: وهم المرجئة. وهؤلاء لا يرون الحكم بغير ما أنزل الله على جميع وجوهه وحالاته إلاّ كفرًا أصغرًا، ولا يكفّرون القسم الأوّل إلاّ بشروطهم الباطلة، كشرط الاستحلال والجحود والتّكذيب، ويحتجّون بجهلٍ فاضح بقول حبر الأمّة - ابن عباس رضي الله عنهما: كفر دون كفر.
وهؤلاء كغيرهم من أصحاب القول الأوّل أهل بدعة وضلال.
قول وسط: وهو قول أهل السّنّة والجماعة، وهو أنّ الآية على ظاهرها، وبمقدار دخول الرّجل في مسمّاها فهو داخل في حكمها.
ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله: أيكون الحكم والشريعه والتقاضي حسب مواثيق الله وعقوده وشرائعه التي استحفظ عليها اصحاب الديانات السماويه واحده بعد الأخرى ; وكتبها على الرسل , وعلى من يتولون الأمر بعدهم ليسيروا على هداهم ? أم يكون ذلك كُله للأهواء المتقلبه , والمصالح التي لا ترجع الى أصل ثابت من شرع الله , والعرف الذي يصطلح عليه جيل أو أجيال ? [1]
وبتعبير آخر: أتكون الألوهيه والربوبيه والقوامة لله في الأرض وفي حياة الناس ? أم تكون كلها أو بعضها لأحد من خلقه يشرع للناس ما لم يأذن به الله ?
الله - سبحانه - يقول: إنه هو الله لا آله إلا هو. وإن شرائعه التي سنها للناس بمقتضى ألوهيته لهم وعبوديتهم له , وعاهدهم عليها وعلى القيام بها ; هي التي يجب أن تحكم هذه الأرض , وهي التي يجب أن يتحاكم إليها الناس , وهي التي يجب أن يقضي بها الأنبياء ومن بعدهم من الحكام. .
والله - سبحانه - يقول: إنه لا هوادة في هذا الأمر , ولا ترخص في شيء منه , ولا انحراف عن جانب ولو صغير. وإنه لا عبرة بما تواضع عليه جيل , أو لما اصطلح عليه قبيل , مما لم يأذن به الله في قليل ولا كثيرا!
والله - سبحانه - يقول:
إن المسألة - في هذا كله - مسألة إيمان أو كفر ; أو إسلام أو جاهلية ; وشرع أو هوى. وإنه لا وسط في هذا الأمر ولا هدنة ولا صلح! فالمؤمنون هم الذين يحكمون بما أنزل الله - لا يخرمون منه حرفا ولا يبدلون منه شيئا - والكافرون الظالمون الفاسقون هم الذين لا يحكمون بما أنزل الله.
(1) - في ظلال القرآن - (ج 2 / ص 364)