فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 678

فالأمر بعد اكتمال الشريعة كما قِيلَ لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَلَيْسَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ قَالَ بَلَى، وَلَكِنْ لَيْسَ مِفْتَاحٌ إِلاَّ لَهُ أَسْنَانٌ، فَإِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ فُتِحَ لَكَ، وَإِلاَّ لَمْ يُفْتَحْ لَكَ " [1] .

فـ"لا إله إلا الله" لها لوازم ومقتضيات ونواقض ومبطلات .. فإن أتى بلوازمها واجتنب نواقضها استمرت العصمة التي دخلها بمجرد الإقرار، وإن أتى بناقض اتقطعت ولم تنفعه الكلمة المجردة بعد ذلك.

وبهذا وأمثاله تفهم معنى إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على أسامة لما قتل رجلًا بعد أن نطق بكلمة التوحيد، وقوله صلى الله عليه وسلم: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» [2] فتلفظه بها إظهار للدخول في الإسلام، فيعامل بها وبما تستلزمه من عصمة، حتى يصدر منه ناقض يقطع تلك العصمة، وإنما أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على أسامة قطعه بأنه قالها تقية مخافة السيف، وما يدريه لعله صادق سيجتنب نواقضها ويلتزم مقتضياتها وحقوقها بعد ذلك .. فـ"لا إله إلا الله" مفتاح الدخول إلى الإسلام، يعصم بها دم الداخل ابتداء ثم لا يدوم إسلامه ولا تستمر عصمته بعد ذلك، إلا بالتزام شروط ذلك المفتاح واجتناب نواقضه .. إذ الدخول في الإسلام شيء، ودوام صحته بعد ذلك واستمرارها وعدم انتقاضه شيء آخر ..

يقول الحافظ في الفتح عند الكلام على حديث [3] : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" باب (قتل من أبى قبول الفرائض) من كتاب استتابة المرتدين: "وفيه منع قتل من قال لا إله إلا الله ولو لم يزد عليها وهو كذلك، لكن هل يصير بمجرد ذلك مسلمًا؟ الراجح لا [4] ، بل يجب الكف عن قتله حتى يختبر فإن شهد بالرسالة، والتزم أحكام الإسلام حكم بإسلامه، وإلى ذلك الإشارة بالاستثناء بقوله: "إلا بحق الإسلام".

ثم نقل عن البغوي قوله: "الكافر إذا كان وثنيًا أو ثنويًا لا يقر بالوحدانية، فإذا قال لا إله إلا الله حكم بإسلامه ثم يجبر على قبول جميع أحكام الإسلام ويبرأ من كل دين خالف دين الإسلام .. إلى آخر كلامه .. " اهـ.

(1) - أخرجه البخاري معلقا بصيغة الجزم في - 1 - باب فِى الْجَنَائِزِ، وَمَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ

(2) - روى البخارى برقم (6872) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ حَدَّثَنَا أَبُو ظَبْيَانَ قَالَ سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ - رضى الله عنهما - يُحَدِّثُ قَالَ بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ - قَالَ - فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ - قَالَ - وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ - قَالَ - فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ - قَالَ - فَكَفَّ عَنْهُ الأَنْصَارِىُّ، فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِى حَتَّى قَتَلْتُهُ - قَالَ - فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ فَقَالَ لِى «يَا أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» . قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا. قَالَ «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» . قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَىَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّى لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ.

(4) - قوله (الراجح) إشارة إلى الخلاف، وأن الحافظ يرجح هذا، والراجح عندنا أن يحكم له بالإسلام ابتداء ويدخل في العصمة ما دام قد تلفظ بالكلمة للدخول في الإسلام، ولا مانع من التثبت، لقوله تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا) إلى قوله: (فَتَبَيَّنُوا) فنهانا الله عز وجل عن نفي الإسلام عمن أعلن الدخول فيه إلا أن يظهر بعد ذلك ناقضًا أو مكفرًا - دون مانع من موانع التكفير. فعندئذ ينتفي الإسلام وتنقطع العصمة، فالدخول في الإسلام وابتداء العصمة شيء، واستمرار صحتها وصحة الإسلام شيء آخر، وهو ما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "إلا بحق الإسلام". كما أشار الحافظ، وهذا الكلام على الداخل للإسلام حديثًا .. أما الرعاع الذين ملؤوا أقطار الدنيا ولا يأتون منذ مولدهم وطول دهرهم من الإسلام إلا التلفظ بهذه الكلمة. مع الإتيان بنواقضها وعدم التزام شروطها والإعراض عن تعلم معناها مع توفر مظنة العلم وقيام الحجة عليهم ببلوغ القرآن إليهم (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) فهؤلاء كفرة معرضون استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ولا ينطبق عليهم الكلام المشار إليه بحال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت