فهرس الكتاب
وقال تعالى: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) فبين الله أن من يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فإنه هو الناجي الذي تقبل عبادته، أما من آمن بالله ولم يكفر بالطاغوت ... كمن صلى وصام وهو في الوقت نفسه يحرس الطاغوت وقانونه ويظهر موالاته وحبه ونصرته، فمثل هذا ظاهره أنه غير مستمسك بالعروة الوثقى التي عليها مدار النجاة وقبول العبادات ...
فأعظم شروط قبول العبادة هو "التوحيد والبراءة من الشرك والتنديد" ومن هدم هذا الشرط لم تنفعه صلاته أو صيامه أو غيره .. قال تعالى عمن جاء بأعمال وعبادات غير مقرونة بهذا الشرط العظيم "التوحيد" (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) وقال سبحانه: (أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ) .
وقال عز وجل: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ) أي: ناصبة في الدنيا بالعبادة ومع هذا فقد أخبر تعالى أن مصيرها: (تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً) لأن نصبها بالعبادة كان دون تحقيق شرط التوحيد، ولذلك لم يكن من طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته أن يدعون الناس إلى الصلاة، قبل تحقيق هذا الشرط العظيم "التوحيد"، بل كانوا يدعونهم أول ما يدعونهم إلى تحقيق التوحيد فإن حققوه، بينوا لهم أن عليهم صلاة وزكاة وغير ذلك من الشرائع التي لا تقبل بدون شرط التوحيد .. ومن أوضح الأدلة على هذا؛ حديث معاذ بن جبل لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، أوصاه فقال: «فإذا جئتهم فادعهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله" وفي رواية: "فليكن أول ماتدعوهم إليه أن يوحدوا الله" فإن هم أطاعوك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» ... الحديث [4] .
فاعلم أنه بدون توحيد، لا تقبل صلاة ولا صيام ولا صدقة .. ولذلك توضح وتبين الأحاديث المسؤول عنها بأن قول النبي صلى الله عليه وسلم "ما أقاموا الصلاة" أي: مع التوحيد، لأن الصلاة لا تقبل بدون وضوء ..
فلو سألتك: هل في هذه الأحاديث ذكر للوضوء، وأنه شرط؟؟
قال: لا .. !!
قلت: فمن أين لك أن الوضوء شرط ومطلوب؟
قال: من أحاديث أخرى. قلت: وكذلك الأمر بالنسبة للتوحيد، فإنه أعظم الشروط والفرائض، هدانا الله وإياك إلى الحق المبين .. ونجاك مما أنت فيه من الباطل العظيم.
والرد التفصيلي على هذه الشبهة:
وقد علمت أن مثل هذه النصوص تجمع مع مبيناتها من النصوص الأخرى فيحملها السلف على المصلين الملتزمين للتوحيد المجتنبين للشرك والتنديد وغيره من نواقض الإسلام ولو ظاهرًا ..
ولم يفهم أحد من السلف أن أمثال هؤلاء الذين قيلت فيهم تلك الأحاديث، كانوا مسلمين معصومين بالصلاة وحدها، مع تحاكمهم للطاغوت ونصرته واتباعه مثلًا .. أو مع الطعن في دين الله، أو الاستهزاء