فهرس الكتاب
وإذا كان المسلم لا يكفر أو يرتدّ أبدًا فما فائدة أحكام المرتدّ التي دُوِّنت في كتب الفقه الإسلامي. ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلّم"من بدّل دينه فاقتلوه".
وإنّما لفظ الحديث في صحيح مسلم"من قال لأخيه المسلم يا كافر فإن كان كذلك وإلا حار عليه".
وقوله"فإن كان كذلك"دالٌّ على جواز التكفير للمسلم الذي يظهر فيه كفر وتنتفي في حقه موانع التكفير أي إنْ كان كذلك فلا حرج.
"وإلا حار عليه"أي: رجع عليه تكفيره إن لم يكن من كفره قد كفر.
ولذلك فإن من كفّر مسلمًا ظهر منه شيء من الكفر فإنه لا يكفر حتى وإن كان حكمه لم يوافق الصواب لقيام مانع من موانع التكفير لم يطّلع عليه بل إذا كان تكفيره له غضبًا لدين الله ومحارمه، فإنه مأجور على ذلك كما حصل مع الفاروق رضي الله عنه عندما قال للنبي صلى الله عليه وسلّم"دعني أضرب عنق هذا المنافق"يعني بذلك (حاطِب) .
فمع أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم بيّن أنّ حاطب لم يكفر إلا أنّه لم يقل لعمر ـ لقد حار عليك الكفر لأنّك كفّرت مسلمًا واستحللت دمه ومن كفّر مسلمًا فقد كفر كما يزعم هؤلاء!!
وقد أشار ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ في زاد المعاد إلى هذا المعنى عند ذكره الفوائد المستفادة من قصة حاطب بن أبي بلتعة في فتح مكة.
فعُلِم أنّ الذي يُذمّ, وهو على أمر خطير إنما هو من كفّر مسلمًا لمحض الهوى والعصبية والحزبية
ويجب أن يعرف الموحِّد لمزيد من الفائدة أنّ هذا الحديث مُؤوّل عند العلماء على وجوه عدّة أحدها: أنّه من وصف دين المسلمين والتوحيد بأنه كفر فقد كفر.
ووجه آخر: حملوه على من استهان واستهتر بتكفير المسلمين فإنّ ذلك قد يؤدِّي به إلى الكفر وغير ذلك من التّأويلات.
وقد ذكر النووي منها في شرح صحيح مسلم عدة أوجه.
وإنّما اضطروا إلى تأويله وفهمه على ضوء غيره من النصوص، لأن ظاهره معارض لأصل من أصول الدين المحكمة عند أهل السنّة والجماعة في أبواب الكفر والإيمان وهو قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} .
ولا شك أنّ رمي المسلم بالكفر غضبًا دنيويًا أو للهوى مسبة له، وذلك دون الشرك.
ولذلك اضطرّ من اضطرّ إلى تأويله، برده إلى النصوص المحكمة الأخرى، وفهمه على ضوئها.
ولو قلنا نحن الذين يحتج علينا خصومنا بمثل هذه الشبهة، أنّ من كفّرنا أو كفّر غيرنا من الموحدين المسلمين بغضًا لهم ولتوحيدهم وبراءتهم من الطواغيت وسمّى دينهم دين الخوارج نصرة لأعداء التوحيد من الطواغيت ومظاهرة لقوانينهم وعساكرهم على الموحدين، بأنّه هو الكافر استدلالًا بهذا الحديث لكان ذلك حقًّا لا مرية فيه ولما احتيج إلى تأويله لأنّ ذلك كفر دون شكّ.