فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 678

ويغفلون أو يتغافلون عن وصف الملائكة للنبي صلى الله عليه وسلّم:"ومحمد فرْق بين الناس"رواه البخاري.

وفي رواية:"فرَّق بين الناس".

ويُعرضون عن هدي الفرقان الذي فرّق بين أهل الشرك وأهل الإيمان وإن كانوا أقرب نسبًا للإنسان.

ومن الفوائد أيضًا أنّ معرفة ذلك تحدِّد طريق الدعوة الصحيحة التي يجب أن يسلكها المرء مع القوم الذين هو بين ظهرانيهم.

فإنّ كونهم مسلمين يختلف عن كونهم مشركين وكونهم مشركين وثنيِّين يختلف عن كونهم مشركين كتابيِّين وكونهم مرتدِّين يختلف عن كونهم كافرين أصليِّين.

ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم لمعاذ لمّا بعثه إلى اليمن كما في الحديث المروي في الصحيحين:"إنّك تأتي قومًا من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلاّ الله ... ـ وفي رواية ـ"إلى أن يوحِّدوا الله"فإن هم أجابوك إلى ذلك فأعلمهم أنّ الله قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة ... الحديث".

فتأمل كيف عرّفه بحالهم وحكمهم, ثم رتب على ذلك طريقة الدعوة والتعامل معهم وغير ذلك من الفوائد التي ليس هذا مقام حصرها

وختامًا فليتّق الله فينا وفي أنفسهم أولئك الجهال أو المفترين الذين يرموننا بتكفير الناس كلهم بالعموم دون أن يسمعوا ما نقول، أو يقرؤوا ما نكتب، فإنهم معروضون على رب لا تخفى عليه خافية وأقوالهم محصية في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ إحصاها وقد قال تعالى {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم:"من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله رَدْغة الخبال [1] حتى يأتي بالمخرج مما قال". رواه أبو داود والطبراني وغيرهما.

فها نحن نقولها صريحة واضحة بيِّنة: إننا لا نُكفِّر مسلمًا بذنب غير مكفِّر ما لم يستحِلّه، ولا نكفِّر الناس كلهم بالعموم كما يرمينا بذلك أعداؤنا من الطواغيت ويبهتنا به خصومنا من جماعات الإرجاء وإنّما نكفِّر من هدم التوحيد أو أعان على هدمه أو أتى بشيء من نواقضه أو عادى أهله نصرة لأعدائه من أهل الشرك والتنديد ومظاهرة لهم على الموحدين.

ونعرف أنّ للكفر شروطًا وموانع ولا نكفِّر إلاّ باستيفاء الشروط وانتفاء الموانع ونعلم أنّ المرء قد يصدر منه قول الكفر أو عمله، ولا يكفر لقيام مانع من موانع التكفير.

(1) - رَدْغَة الخَبال: عصارة قيح وصديد أهل النار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت