فهرس الكتاب
تخاطرنا في ذلك؟ فأخبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام: اذهب إليهم فزد في الخطر وزد في الأجل ففعل، وغلبت الرّوم فارسًا فأخذ أبو بكر خطره، فأقرّه النّبيّ صلى الله عليه وسلم وهو القمار بعينه».
وكانت مكّة في ذلك الوقت دار حرب، فدلّ ذلك على أنّ للمسلم أخذ مال الحربيّ في دار الحرب ما لم يكن غدرًا.
إقامة الحدّ على المسلم في دار الحرب:
5 -اختلف الفقهاء في إقامة الحدّ على من زنى من المسلمين أو سرق، أو قذف مسلمًا، أو شرب خمرًا في دار الحرب.
فقال المالكيّة والشّافعيّة: يجب على الإمام إقامة الحدّ عليه، لأنّ إقامة الحدود فرض كالصّلاة، والصّوم، والزّكاة، ولا تسقط دار الحرب عنه شيئًا من ذلك. وإذا قتل مسلم مسلمًا في دار الحرب يستوفي منه القصاص، ويكون الحكم كما لو كانوا في دار الإسلام.
وذهب الحنفيّة إلى أنّه لا يقام عليه الحدّ، ولو بعد رجوعه إلى دار الإسلام لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «لا تقام الحدود في دار الحرب» . وقوله:"من زنى أو سرق في دار الحرب وأصاب بها حدًّا ثمّ هرب فخرج إلينا فإنّه لا يقام عليه الحدّ واللّه أعلم به"ولأنّ الإمام لا يقدر على إقامة الحدود في دار الحرب لعدم الولاية، ولا يقام عليه بعد الرّجوع إلى دار الإسلام، لأنّ الفعل لم يقع موجبًا أصلًا، وكذلك إذا قتل مسلمًا فيها لا يؤخذ بالقصاص وإن كان القتل عمدًا لتعذّر الاستيفاء، ولأنّ كونه في دار الحرب أورث شبهةً في الوجوب، والقصاص لا يجب مع الشّبهة، ويضمن الدّية وتكون في ماله لا على العاقلة، لأنّ الدّية تجب على القاتل ابتداءً، ثمّ العاقلة تتحمّل عنه لما بينهم من التّناصر، ولا تناصر عند اختلاف الدّار.
وقال الحنابلة أيضًا: تجب الحدود والقصاص، ولكنّها لا تقام في دار الحرب، وتقام عليه بعد رجوعه من دار الحرب. واستدلّوا بما رواه سعيد في سننه، أنّ عمر رضي الله عنه كتب إلى النّاس لا يجلدنّ أمير جيش ولا سريّة رجلًا من المسلمين حدًّا وهو غاز حتّى يقطع الدّرب قافلًا لئلاّ يلحقه حميّة الشّيطان، فيلحق، بالكفّار.
حدّ من أصاب حدًّا من أفراد الجيش:
6 -قال الحنفيّة: إذا أصاب أحد أفراد الجيش حدًّا، أو قتل مسلمًا خطأً أو عمدًا في دار الحرب خارج المعسكر لا يقام عليه الحدّ أو القصاص، أمّا إذا زنى أحدهم في معسكر الجيش لم يأخذه أمير الجيش بشيء من ذلك إذا كان الإمام لم يفوّض إليه إقامة الحدود والقصاص، إلاّ أنّه يضمّنه المسروق والدّية في القتل، لأنّه يقدر على استيفاء ضمان المال.
أمّا إذا غزا من له ولاية إقامة الحدود، سواء غزا الخليفة بنفسه، أو أمير مصر من الأمصار، ففعل رجل من الجيش ذلك في معسكره أقام عليه الحدّ، واقتصّ منه في العمد، وضمّنه الدّية في الخطأ في ماله، لأنّ إقامه الحدود إلى الإمام، وبما له من الشّوكة، وانقياد الجيوش له يكون لعسكره حكم دار الإسلام.