فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 678

صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين لا يُكره أحدا في الدين, فأبى المشركون إلا أن يقاتلوهم, فاستأذن الله في قتالهم, فأذن له.

وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآية في خاص من الناس, وقال: عنى بقوله تعالى ذكره: {لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ} أهل الكتابين والمجوس, وكل من جاء إقراره على دينه المخالف دين الحق, وأخذ الجزية منه. وأنكروا أن يكون شيء منها منسوخا.

وإنما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب لما قد دللنا عليه في كتابنا كتاب «اللطيف من البيان عن أصول الأحكام» من أن الناسخ غير كائن ناسخا إلا ما نفى حكم المنسوخ, فلم يجز اجتماعهما. فأما ما كان ظاهره العموم من الأمر والنهي وباطنه الخصوص, فهو من الناسخ والمنسوخ بمعزل. وإذ كان ذلك كذلك, وكان غير مستحيل أن يقال: لا إكراه لأحد ممن أخذت منه الجزية في الدين, ولم يكن في الآية دليل على أن تأويلها بخلاف ذلك, وكان المسلمون جميعا قد نقلوا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أنه أكره على الإسلام قوما, فأبى أن يقبل منهم إلا الإسلام, وحكم بقتلهم إن امتنعوا منه, وذلك كعبدة الأوثان من مشركي العرب, وكالمرتدّ عن دينه دين الحقّ إلى الكفر ومن أشبههم, وأنه ترك إكراه آخرين على الإسلام بقبوله الجزية منه, وإقراره على دينه الباطل, وذلك كأهل الكتابين, ومن أشبههم¹ كان بينا بذلك أن معنى قوله: {لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ} إنما هو لا إكراه في الدين لأحد ممن حل قبول الجزية منه بأدائه الجزية, ورضاه بحكم الإسلام. ولا معنى لقول من زعم أن الآية منسوخة الحكم بالإذن بالمحاربة.

فإن قال قائل: فما أنت قائل فيما روي عن ابن عباس وعمن رُوي عنه: من أنها نزلت في قوم من الأنصار أرادوا أن يكرهوا أولادهم على الإسلام؟ قلنا: ذلك غير مدفوعة صحته, ولكن الآية قد تنزل في خاصّ من الأمر, ثم يكون حكمها عاما في كل ما جانس المعنى الذي أنزلت فيه. فالذين أنزلت فيهم هذه الآية على ما ذكر ابن عباس وغيره, إنما كانوا قوما دانوا بدين أهل التوراة قبل ثبوت عقد الإسلام لهم, فنهى الله تعالى ذكره عن إكراههم على الإسلام, وأنزل بالنهي عن ذلك آية يعمّ حكمها كل من كان في مثل معناهم ممن كان على دين من الأديان التي يجوز أخذ الجزية من أهلها, وإقرارهم عليها على النحو الذي قلنا في ذلك.

ومعنى قوله: {لا إكْرَاهَ فِي الدّينِ} لا يكره أحد في دين الإسلام عليه, وإنما أدخلت الألف واللام في الدين تعريفا للدين الذي عنى الله بقوله: لا إكراه فيه, وأنه هو الإسلام. وقد يحتمل أن يكون أدخلتا عقيبا من الهاء المنوية في الدين, فيكون معنى الكلام حينئذ: وهو العليّ العظيم لا إكراه في دينه, قد تبين الرشد من الغيّ. وكأنّ هذا القول أشبه بتأويل الآية عندي.

وأما قوله: {قَدْ تَبَيّنَ الرّشْدُ} فإنه مصدر من قول القائل: رَشِدتُ فأنا أرْشَدُ رَشَدا ورُشْدا وَرَشادا, وذلك إذا أصاب الحقّ والصواب. وأما الغيّ, فإنه مصدر من قول القائل: قد غَوَى فلان فهو يَغْوَى غَيّا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت