الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم: أَنَّهُ قَالَ:"لاَ يُلدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ".
(لا يُلدغ المؤمنُ من جحر واحدٍ مرتين) : قال السفاقسي: قيل: لفظُه لفظُ الخبر، ومعناه الأمر، يقول: ليكنِ المؤمنُ حازمًا حَذِرًا لا يُؤتى من ناحيةِ الغَفْلة، فيخدَعَ مرةً بعدَ أخرى، وقد يكون ذلك في أمر الدين، كما يكون في أمر الدنيا، وهو أولاهما [1] بالحذر.
وروي بلفظ: النهي بكسر الغين، فيتحقق فيه معنى النهي على هذه الرواية، وكذلك قرأناه.
قال: وهذا مَثَلٌ قديم تُمُثِّلَ به من قبلِ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو - عليه الصلاة والسلام - كثيرًا ما يتمثَّلُ بالأمثال القديمة، وأصلُ ذلك: أَنَّ رجلًا أدخلَ يدَه في جُحر الصيدِ أو غيرِه، فلدغَتْه حَيَّةٌ [2] في يده، فضربته العربُ مثلًا، فقالوا: لا يُدخل الرجلُ يدَه في جُحر فيلدَغ منه مرةً ثانية [3] .
قلت: إذا كان المثلُ العربيُّ على الصورة التي حكاها، فالنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لم يورده كذلك حتى يقال: إنه تَمَثَّلَ به، نعم أوردَ كلامًا بمعناه، وانظرْ فرقَ ما بينَ كلامِه - عليه الصلاة والسلام -، وبينَ لفظِ المثلِ المذكورِ، فَطلاوة البلاغة على لفظه عليه السلام، وحلاوة العبارة فيه بادية، يدركُها ذو الذوقِ السليم.
(1) في"ع":"أولهما".
(2) "حية"ليست في"ع".
(3) انظر:"التوضيح" (28/ 516) .