فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 348

منادي الجهاد، وتفتَّحت أبواب السماء؛ فإن لم تكونوا من فرسان الحرب، فافسحوا الطريق للنساء؛ يُدِرن رحاها، واذهبوا فخذوا المجامر والمكاحل، فإلى الخيول وهاكم لجمها وقيودها ..

يا ناس، أتدرون ممَ صُنعت هذه اللجم والقيود؟ لقد صنعتها النساء من شعورهن؛ لأنهن لا يملكن شيئًا غيرها، هذه والله ضفائر المُخَدَّرَات -النساء المستِّترات في خدورهن- لم تكن تبصرها عين الشمس صيانةً وحفظًا، قطعنها؛ لأن تاريخ الحب قد انتهى، وابتدأ تاريخ الحرب المقدسة، الحرب في سبيل الله، ثم في سبيل الدفاع عن الأرض والعرض، فإذا لم تقدروا على الخيل تقيدونها، فخذوها فاجعلوها ذوائب لكم وضفائر، إنها من شعور النساء، ألم يبق في نفوسكم شعور؟!

ميدي يا عُمد المسجد، وانقضّي يا رُجوم، وتحّرقي يا قلوب ألمًا وكمدًا، لقد أضاع الرجال رجولتهم." [1] ."

وذكر ابن كثير أن هناك مجموعة من العلماء ذهبوا إلى المساجد وجمعوا الأموال وجعلوا يبحثون عن أمير ليقود هذا الجهاد فلم يجدوا، ثم ذًكر لهم أمير بخير وأنه صاحب نخوة، فبحثوا عنه في الصحراء شهرًا فوجدوه في الصيد، فجاؤوا إليه وقالوا له:"لم نجد خيرًا منك"، ودفعوا إليه أموال المساجد حتى يشتري بها السلاح ويجهز بها الجيوش، فقال لهم أبشروا وجعل لهم موعدًا، فجاء الموعد فلم يجدوه وبحثوا عنه فوجدوا أنه قد بنى بالأموال قصرًا للصيد!.

فتقرأ في التاريخ فتجد أنّ المسلمين قد مرّوا بأوضاع شبيهة بالوضع الحالي، فهذه كانت الحالة السياسية والاجتماعية المشيخيّة للناس، فماذا فعل المسلمون؟؟

فمن خلال التواريخ والكتب تجد أن المسلمين قاتلوا بالنَّفر والرَّهط وبالقبيلة وبالعشيرة وبشيخ الطريقة وبشيخ الحِرفة وبشيخ التجار وبشيخ النجَّارين وبأمير القبيلة الفلانية وإمام المسجد الفلاني، وهكذا تم الجهاد.

فحصل نوع من المقاومة الشعبيَّة وحركهم الإسلام لأنّ المرجعيّة الدينيّة كانت قائمة والمرجعية الاجتماعية كانت قائمة.

(1) الخطبة المنسوبة لسبط ابن الجوزي هي من تأليف الشيخ علي طنطاوي، يقول الشيخ كتابه (ذكريات) صـ 314:"ومن هذه القصص ما ذكره المؤرخون من أن امرأة من دمشق رأت انقسامَ المسلمين وتقاعسهم عن قتال الصليبيين، وأرادت المشاركة في الجهاد، فعملت ما تقدر عليه: قصَّت ضفائرها، وبعثت بها إلى سِبط ابن الجوزي (أي ابن ابنته) خطيب الجامع الأموي في دمشق؛ ليكون منها قيدٌ لفرسٍ من خيول المجاهدين. ويقول المؤرِّخون: إنه خطب خطبةً عظيمة ألهبت الدماء في العروق، وأسالت الدموع من العيون، وأثارت الحماسة وأيقظت الهِمم، فلما كتبتُ القصة على طريقتي، ألَّفتُ أنا خطبةً قلت: إنها التي ألقاها على الناس، وحَسِبَ الناس أن هذه هي الخطبة الحقيقية، حتى أن خطيب المسجد الحرام الرجل الصالح الشيخ عبدالله خياط نقل فقرات منها في خطبة الجمعة على أنها خطبةُ سبط ابن الجوزي"اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت