فعندما رأوا ذلك قمعوا الإسلام المعتدل وقمعوا التدين، فعندما قمعوه ازدادت خبرة الجهاد عمليًا، فدخل المعركة وتحّسن أداؤه وتحسّن في الأمن وتحسّن في الفكر واكتشف الواقع وبدأ يتطور.
فوجدوا في النهاية أنهم إن تركوه تمدَّد أفقيًا وإن قمعوه تمدَّد رأسيًا، وفي الحالتين يؤدي التمدّد إلى صعود التيار الجهادي، فلم يجدوا حلًا إلّا بضرب الأصولية بكاملها؛ فطُرد أصحاب البرلمان من البرلمان، وطُرد المُتديّن من الوزارات، القضاء على الجهاديين وإغلاق الأبواب، ولم يُسمح إلا لهامش بسيط لمن يمكن أن يسمى (إسلام النفاق) والمنافقين.
فلا يكفي أن تكون صوفيًا بل صوفيًا منحلًّا عميلًا ومخبرًا، ولا يكفي أن تكون سلفيًا بل يجب أن تكون سلفيًا مدخليًا محاربًا للإسلام والمسلمين، أو إخوانيًا عاديًا فقط لا يكفي بل يجب أن يكون إخوانيًا يجلس في البرلمان ويجتمع مع المخابرات ويحارب المجاهدين ويرفع فيهم تقارير.
فلم يُسمح إلّا لهامش بسيط من التصوف المنحرف ومن السلفية المدخلية المسمّاة زورًا بالسلفية وليس لها علاقة بمنهج السلف، يعني في النهاية لمن وجد لنفسه مقعدًا في مركب وسفينة هذا النظام العالمي الجديد الذي يقوده النصارى واليهود.
أمّا التيار الجهادي فقد صبّت السلطة عليه ما يسمّى جهاز مكافحة الإرهاب، وطبعًا في البداية كانت هناك مكافحة على مستوى القطر والبلد، ففرّ رؤوس التنظيمات إلى الدول المجاورة وبدأوا يُديرون أعمالهم في بلادهم من الدول المجاورة، ثم صار هناك تنسيق أمني إقليمي على مستوى الإقليم، ففرّ الناس إلى أبعد من هذا، ثم صار هناك تنسيق على مستوى العالم العربي مثل (مجلس وزراء الداخلية العرب) و (مؤتمر الأمن العربي الموحد) وهكذا، ففرّ الناس إلى العالم؛ إلى بلاد بها لجوء سياسي وبلاد الفوضى وهكذا.
ثم وضعوا (المؤتمرات الأمنية الدولية) ، بدأت على هامش مؤتمر مدريد، ثم أقاموا مؤتمر ميلانو ومؤتمر باريس ومؤتمر المتوسط الذي شارك فيه الموساد ومخابرات الدول العربية على نفس الطاولة، ومع أنّه مؤتمر لدول البحر المتوسط