الآن أريد أن أوضح هذا التقسيم على الشكل التالي:
الصحوة اللاسياسية هي مدارس ولكنها اشتركت في أنّها استبعدت السياسية, مثلًا المدرسة (الصوفية) ، فالمتصوفة يريدون التدين ويريدون إصلاح الفرد، ويريدون الخروج من الأزمة ويريدون سمو الروح والأهداف الخيّرة، ولكن استبعدوا السياسة مطلقًا، فقالوا:"لا سياسة في الدين ولا دين في السياسية".
كان عندنا في الشام واحد من أقطاب الصوفية اسمه عبد القادر عيسى، وكان شيخ الطريقة الشاذلية فهو شيخ لملايين الناس في الشرق الأوسط، حكى لي أحد الإخوة وقد استُشهد لاحقًا -رحمة الله عليه-، قال لي:"عندما دخلت عنده والتزمت معهم في الصوفية جئت للشيخ فقال لي: الآن تتوضأ وتصلي ركعتين بنية ترك السياسية"، سنَّة ترك السياسة! فخلاص هنا لا توجد سياسة، وأنا هنا لا أقيّم الحق من الباطل.
وكذلك مدرسة (التبليغ) ، لاشك أنها صحوة، وأنها أدَّت خيرًا كبيرًا جدًا وأخرجت كثيرًا من الناس من الظلمات إلى النور، ونفع الله بها أناسًا كثيرين فأوصلتهم إلى الالتزام، ومن الالتزام ذهبوا إلى السياسة أو إلى الجهاد، فكانوا هم الذين نقلوهم من الظلام إلى النور. ولكن يعرف كل من احتكّ بهم أنه ليس عندهم سياسة، ولو تكلم أحد في معسكراتهم عن السياسة والحكام والحكومات، يُخرجوه من المعسكر بل يُخرجوه من كل الحملة التي يخرجون فيها.
مدرسة (السلفية العلمية) أو (مدرسة الشيخ الألباني) -رحمة الله عليه- فقد أقدم إلى ما قدَّم، قالت هذه المدرسة بـ (التصفية والتربية) ، والذي يسمع دروس الشيخ الألباني وكلامه في السياسة يعلم أن من أقواله:"السياسة تياسة"،"وأن القضية تصفية عقائد وعندما تصفو العقائد يصلح الناس أحوالهم فينصلحوا ويفرج الله عنهم"، أما إذا سألت:"كيف؟"فستجد أنهم مثل الصوفية لا يعرفون كيف ستُحل المشكلة.
ومن هؤلاء (القُطبية) ، مع أنهم أفضلهم وأصحّهم منهجًا، كذلك تجد هذا إذا قرأت كتاباتهم مثل كتابات الرجل الفاضل ابن العائلة الفاضلة الشيخ محمد قطب كما في كتاب مشهور له عن التربية وكتابه (حول تطبيق الشريعة) ، فتكلَّم عن بناء القاعدة الصُّلبة، فملخص كلامه: القاعدة الصلبة تُبنى بالفهم والتربية والأخلاق والسلوك، ولكن يجب ترك الصدام مع الحكومات وبالتالي ترك الصدام مع من هم خلف الحكومات.