الآن نأتي للحملات الصليبية، فأقول عندما جاء الحملات الصليبية ونزلت في لواء الإسكندورن ثم بدأت تزحف فأخذوا المناطق وأسّسوا إمارات؛ إمارة حمص إمارة طرابلس وإمارة بيت المقدس وإمارة بيروت وإمارة الكرك، تجدها في كتب تاريخ الحملات الصليبية.
وفي المقابل كان هناك أمير حلب وأمير حمص وأمير قبيلة وأمير عشيرة، تفتُّت، وعندما جاءت الحملات الصليبية كانت المرجعية السياسية للمسلمين مُحطّمة، لم تكن ميّتة فلم تكن بغداد قد سقطت، أُسقطت الخلافة فيما بعد فقُضي حتى على اسم المرجعية السياسية، ولكن من حيث الواقع كانت الخلافة ضعيفة والسلاجقة لهم سلطان والحالة مفكّكة، فيمكن أن تقول أنه لم تكن هناك مرجعية سياسية تتولى صد الصليبيين.
أما المرجعية الدينية فأهل الشام كانت لهم مرجعية دينية، وأهل مصر كذلك، فكان هناك مشائخ الأحناف والشافعية في الشام، وهناك شيوخ الشافعية في مصر رغم أنهم كان تحت حكم العبيديين ولكن أهل السنة كانت لهم مرجعية دينية منفصلة عن الحكومة، والمرجعية القَبليَّة كانت على أشدّها فالناس كانوا عشائر وقبائل، فيمكن أن نقول أنه كان هناك مرجعية دينية وكان هناك مرجعية اجتماعية ولكن كانت المرجعية السياسية ضعيفة.
وإذا سألت: من الذي تولّى صدّ الحملات؟ فتجد أنه من الكتب التي تعرّضت لتاريخ تلك الفترة كتاب (مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق) لابن النحّاس، فهو عاش في تلك الفترة وتوفي في آخر القرن السابع أو مطلع الثامن وقُتل في إحدى الحملات الصليبية بعد أن جاهد وحرّض [1] .
وسمعت مرة في شريط لأحد العلماء أن ابن الجوزي الحفيد، حفيد ابن الجوزي الإمام المعروف، خطب خطبة في المسجد الأموي في دمشق لما وجد من إعراض الناس عن جهاد الصليبيين واشتغالهم بالتجارة، وتكالب التتار من المشرق وعدم اهتمام الناس كحالنا اليوم، فقام بخطبة حتى يحرك الناس في المسجد الأموي وكان مما قال لهم:
"أيها الناس، ما لكم نسيتم دينكم، وتركتم عزتكم، وقعدتم عن نصر الله ... ! ( .. ) ما يهزُّ قلوبكم وينمي حماسكم مرأى إخوان لكم قد أحاط بهم العدو وسامهم ألوان الخسف؟! ( ... ) يا أيها الناس، إنها قد دارت رحى الحرب؛ ونادى"
(1) هو الإمام العالم الشهيد أبو زكريا: أحمد بن إبراهيم بن محمد، الشافعي الدمشقي الدمياطي، المعروف بابن النحاس، المتوفّى سنة 814 هـ شهيدًا في منطقة دمياط في مصر في جهاد الصليبيين، وكتابه حافل بالجهاد وأحكامه وفضائله والحث عليه.