فقضايا الحرب والرأي والمكيدة لا تُعطوها صفة القدسيّة، فهذا أسلوب ويمكن أن نمارسه ويمكن أن يصحّ أو لا يصحّ، ويمكن أن نغيّره ونبدّله، فنقوم بتنظيمات علنية أو سريّة أو هرميّة أو جبهويّة، فنحن نجرّب ونتطوّر، وأنا قلت أن التطوير مقدّمته التَّصحيح.
فكيف حاولت أن أولِّد هذه النظريات؟
نحن قلنا أن هناك أخطاءً فعلينا أن نستخرج الصواب، فقلنا أن هناك خطأ منهجيًا فعلينا أن نبحث عن الصواب المنهجي، وقلنا هناك خطأ فكري فعلينا أن نبحث عن الصواب الفكري، وقلنا هناك خطأ عسكري فعلينا أن نبحث عن الصواب العسكري، وقلنا خطأ في البنية فعلينا أن نبحث عن الصواب في البنية، وخطأ في التربية فقلنا أن التربية أحادية عسكرية وينقصها تربية شرعية أخلاقية وسلوكيّة وسياسية، فنقيم تربية خماسية سنستعرضها، وهكذا ..
فلم نستطع أن نولّد هذه النظريات إلّا من خلال استعراض الأخطاء، ولذلك نسمّي هذه النظريات بالنظريات العمليَّة؛ يعني وُلدت من خلال التجربة، وكتبها أناس هم عاملون ومجرّبون.
في كتابي (التجربة السورية) هناك بحث في الفصل الثالث من الجزء الأول يبدأ بتعريف النظرية العملية وأنّها تولد من خلال التجربة، فلا يمكن أن يجلس رجل تحت المكيّف ويحصل على إقامة عند آل سعود ثمّ يكتب لنا في الجهاد، يمكن أن يكتب في الأحكام الفقهيّة للجهاد، ولكن لا يمكن أن يكتب لنا كيف نجاهد.
الإمام الحسن البصري سأله رجل عن العتق فأجّل الجواب، ثم سأله فأجل الجواب، ثم سأله بعد فترة فأجّل الجواب، وبقي يحاوله سنة، ثم سأله فأجابه، فقال له:"لماذا تأخّرت عليّ سنة ثم أجبتني الآن؟"، فقال:"عندما سألتني انتبهت إلى أنني لم أعتق في حياتي نفسًا، فعندما سألتني بدأت أجمع المال حتى أعتقت البارحة فاليوم أجيبك، حتى لا أكون من الذين يأمرون الناس بما لا يفعلون".
فالنظرية العملية يولدها أصحاب العمل، فهذه نظريات عمليّة، وانا لا أطرحها كشيء مقدّس بل هي للبحث والحوار والتطوير، ولكن أريد أن أفتح باب التطوير والتصحيح في الفكر الجهادي الذي أصابه الركود من عدّة سنوات، حتى نتحاور فيها.