فهذا يقطع أمل أي شخص يريد أن يجد بينه وبين الجاهلية وبين الكفر والإيمان التقاء في منتصف الطريق، فلا يوجد التقاء في منتصف الطريق، بل إمّا جاهليّة وإمّا إسلام، وإمّا كفر وإمّا إيمان، كما كان يقول سيّد قطب -رحمه الله-.
فقال لأخيه: {لأقتلنّك} ، وتطور الصراع بين الأنبياء وأقوامهم وبين الحضارات وبين الحق والباطل، إلى أن وصل إلى النظام العالمي الجديد فخرج كلينتون على رأس الفلسفة الأمريكية وطرحوا نظرية تبنّوها وهي (صراع الحضارات) .
فقالوا أن الأرض لا تتسع لحضارتين؛ لا تتسع لحضارة الغرب وحضارة الشرق، ولا تتسع لحاضرة الإسلام وحضارة النصارى، وأنّ هذه الأرض ليس لها إلّا أن تسيطر عليها الحضارة النصرانيّة الديمقراطيّة الرأسماليّة، فهي بذلك حضارة نصرانية الدين ديمقراطية في السياسة رأسمالية الاقتصاد.
ولا يوجد مجال لأيّ حضارة اخرى، فطرح هذا الطرح رجل نسيت اسمه الآن، أقام محاضرة ثم صارت بحثًا ثم صارت مدرسة للأبحاث أسموها (صراع الحضارات) ، وأن هذا الصراع أزلي.
والحقيقة أن صراع الحضارات جاء به الإسلام؛ فالحق والباطل لا يلتقيان أبدًا ولا بد أن يُزهق الحق الباطل، ولا بد إذا ظهر الباطل أن يقول للحق {لأقتلنّك} . وهذا الأمر مضى معنا على طول التاريخ، فنحن استفدناها وقلنا أن الصراع في النظام الدولي كان من قابيل إلى كلينتون وكان ولا يزال أن أصحاب الباطل يقولون لأصحاب الحق:"لأقتلنّك ولا أسمح لك بالوجود".
وهكذا الأنظمة العلمانية تقول للإسلاميين:"لأقتلنك ولا أسمح لك بالوجود"، وهكذا كل جبار عنيد يقول لكل صاحب حق:"لأقتلنك".
ثم تطورت المسألة فأصبحت كما قال القرآن: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [1] ؛ {ليثبتونك} أي السجن أو {يقتلوك} وهو الإعدام أو {يخرجوك} وهو التشريد. وهكذا جاءت سلسلة الأنبياء مع أقوامهم، قتل وإخراج وتشريد.
وعلى وجه الاختصار نقول: أبناء آدم انتشروا في الأرض، وبغض النظر عن الروايات وأين ذهبوا وأين كثروا وأين قلوا، نقول أنّهم انتشروا في كل الأرض فنشأت التجمعات البشريّة.
(1) سورة الأنفال، الآية: 30.